أخر الاخبار

عن سجن الحصان الأسود للكاتب عبد العطيم قباصة

عن سجن الحصان الأسود للكاتب عبد العطيم قباصة

  عن سجن الحصان الأسود للكاتب عبد العطيم قباصة

الحصان الأسود

    (السجن المركزي) (بورتابينيتو) (الحصان الأسود) ، كلها أسماء المكان واحد هذا الذي انتقلت إليه، ولنعد قليلا لوصف تصميم وشكل هندسة القسم الرابع والمخصص للسجناء السياسيين، والعدد والتصنيف السياسي لنزلائه. عندما تدخل من الباب الخارجي للقسم فإنك تجد ساحة متوسطة الحجم، وفيها تجد الباب الذي يفضي إلى داخل القسم - وهذا الباب هو الذي يقفل ليلا - .
    عند عبور هذا الباب تجد ممرا صغيرا، يوجد على يمين مدخل القسم بمسافة قليلة زنزانتان على الجهة المقابلة لهذا المدخل، أي عندما تنحرف يمينا تكون الزنزانتان على يسارك، الزنزانة الأولى يقيم بها أخوتنا وأصدقاؤنا ورفاق المحنة وهم مجموعة (حزب التحرير الإسلامي اعتقلوا في أبريل سنة 1973م، بعد خطاب زوارة، أما الزنزانة التي تليها فيقيم بها مجموعة الأبشات، وهم متهمون بتشكيل حزب يساري وقد اعتقلوا أيضا بالتاريخ نفسه، وبعد باب هذه الزنزانة يمتد الممر قليلا تاركا حيزا وضعت به طاولتان صغيرتان وكرسيان، حيث كان يستغل هذا الحيز كمكان للمطالعة، وأيضا كمرسم يستغله الصديق المرحوم (عبد العزيز الغرابلي) لرسم لوحاته ونحت منحوتاته، كما كان يستغل من قبل بعض الآخرين الذين جربوا موهبتهم في الرسم، بعد دروس ومساعدة من الفنان عبد العزيز بالطبع .

  القسم الرابع في الحصان الأسود

    وكانت هاتان الزنزانتان بهذا الممرمقتطعتين من القسم الرابع والذي به - وككل أقسام السجن المركزي - ثمانية زنازين، أما إذا انحرفت من مدخل هذا القسم يسارا، وبمسافة قليلة أيضا، فإنك تجد ممر صغير آخر يتقاطع مع هذا الممر، يوجد فيه على الجهة اليمنى زنزانة بحجم السابقتين، أما قبالتك فتجد زنزانة أصغر حجما، ثم بانحرافك يسارا قليلا، تجد قبالتك مدخلا يفضي إلى مربع صغير غير مسقوف، مساحته ثلاثة أمتار في ثلاثة أمتار تقريبا، وهو المكان الوحيد لدخول الهواء عندما تقفل أبواب القسم، عدا الشبابيك.
     طبعا، يأتي بعد مدخل هذا المربع يسارا زنزانة بحجم الزنزانة الصغيرة السابقة، ثم الحمام الذي يفتح مقابلا للزنزانة الكبيرة بهذا الممر، عند عبور مدخل المربع غير المسقوف، فسوف تجد زنزانتين أخريين بحجم الزنزانة الكبيرة السابقة، واحدة على اليمين تقابلها أخرى على اليسار، الزنزانة اليمني، وتقيم فيها مجموعة سجناء أغلبهم من الزنتان، أما اليسرى فقد تم تقسيمها إلى جزئين، يستخدم الجزء الأول - وهو الأكبر - كصالة جلوس يوجد بها جهاز تلفزيون ودولاب للمواد الغذائية، أما الجزء الأخر فيستخدم كمطبخ، وضع فيه فرن وأواني الطبخ والثلاجة، إذ كنا نطبخ الوحدنا، حيث يأتينا جزء من التموين والمواد الغذائية من إدارة السجن، أما أغلبه فقد كان يأتينا من أسرنا، يوجد أمام هذا المطبخ ممر صغير، يوجد بزاويته صنبور مياه، كنا نستخدمه لغسل الأواني قبل وبعد الطبخ، يفتح هذا الممر على ساحة أكبر قليلا من الأولى، وبها باب من الجهة الأخرى يفتح على الساحة السابقة التي يوجد بها المدخل الخارجي للقسم.

مجموعة الأبشات ونزلاء أخرون

     كان يقطن مع مجموعة الأبشات المتكونة من سبعة أشخاص هم: (عبد العزيز الغرابلي، عبد المنعم البشتي، عبد الحميد البشتي، عبد الحليم البشتي، عبد الفتاح قباصه، عبدالرحمن الشرع، إمحمد شعيب كل من: (محمد أبو سريره، خليفة السنوسي ) وهما من ضمن المجموعة المتهمة أيضا بتشكيل [حزب يساري في الجبل الأخضر وبنغازي والتي اعتقلت أيضا في أبريل سنة 1973، وكان هذان الشخصان قد طلبا الانتقال من سجن الكويفية ببنغازي إلى السجن المركزي طرابلس. كما كان يوجد بالقسم مجموعة شباب من مدينة الزاوية وعددهم ستة أشخاص، محكومون بالسجن المؤبد وقد تم اعتقالهم منذ أواخر سنة 1972، بتهمة تأسيس حزب سياسي يطلق عليه اسم لحزب العودة، وكان قد تم ضبط البعض منهم يقومون بإلصاق المناشير في مدينة الزاوية ]، تم على إثر ذلك إلقاء القبض عليهم جميعا واعتقالهم، أما مجموعة الزنتان فقد كانت تهمتهم لتدبير محاولة لقلب نظام الحكم، وقد حكموا بسنوات مختلفة منذ سنة 1975 م، وسرعان ما خرج أغلبهم بعد قدومي إلى القسم مباشرة.

الجيهة وتفاصيلها

    بقيت مع مجموعة الأبشات لوحدنا، كانت هناك رغبة وفضول كبيرين المعرفة كل التفاصيل، والتي لم تكن الزيارة - عندما كنت آتيهم زائرا - تتيح إمكانية تبادل الحديث حولها، حاولت وضعهم في جو وشكل الحياة في مدينتنا (الزاوية، وخاصة في منطقتنا والتي كنا ندعوها (الجيهة) بكل تفاصيلها ، وبكل ما طرأ فيها من تبدلات في البشر والحجر، أقصد التحولات العمرانية في البناء والطرق وغيرها، حيث شهدت تلك الفترة منذ أوائل السبعينيات حتى أواخرها - والتي توقفت نهائيا تقريبا بعد ذلك – تغيرات كبيرة، من شق طرقات كثيرة وبناء عمارات إسكان شعبي وتطوير عمراني، كما حصل تغير كبير في الأوضاع المادية للعديد من الأشخاص، كل ذلك إثر الطفرة الكبيرة في أسعار النفط، والتي طرأت وكما هو معروف بعد الحرب العربية الإسرائيلية سنة 1973، سمح ذلك حتى للطبقة الوسطى من تحسين ظروف عيشها، سواء كان ذلك من حيث السكن أو المأكل أو الملبس وحتى غيرها من الكماليات.

المضايقات اليومية وأحاديث السجن

    تحدثت لهم عن التضييق والحصار الذي كنا نعاني منه نحن المجموعة المشتبه بها!!]، أنا وبعض الأقارب، وخاصة أنا وأخي الأصغر الطاهر، والمضايقات التي كنا نتعرض لها بشكل شبه يومي، سواء من الجهات الأمنية والرسمية أو حتى من المتعاونين معهم ومنهم بعض الأقارب. تحدثت لهم عن أزمة التواصل بين البشر وعن أزمة الثقافة، وعن قصص الحب وغيرها وغيرها من الأحاديث المهمة والعادية، وحتى في أدق التفاصيل التي أسعفتني ذاكرتي على تذكرها ورصدها في ذلك الوقت، من مرض ومن مات، ومن تزوج ومن سيتزوج، وعن المواليد الجدد، وعن الفتيات الجميلات، وعن قصص الحب الجديدة والقديمة، وعن تبدلات طرأت على بعض الأشخاص، في أوضاعهم المادية أو في اقترابهم من السلطة على أكتاف البعض. كانوا يسألون وأنا أجيب، أيضا عن آمال خروجهم من السجن وما يروج من شائعات حول ذلك الأمر.
     ثم حكيت بإسهاب عن ظروف وملابسات القبض علي، والتحقيقات وأماكن التوقيف، كما حكيت بشكل مطول عن فترة سجن الجديده وما عانيت فيه، وكانوا يصغون إلي بانتباه كبير، وأيضا كانت قد وصلتهم بعض التفاصيل بدون شك حول بعض فصول هذه الرحلة، عن طريق أخي الطاهر ومن خلال الزيارة. ثم بدأت أنا في الأسئلة وجاء دورهم في الإجابة، وخاصة عن أحوال وظروف السجن وكيف يقضون يومهم، أو عن علاقاتهم مع بقية السجناء، لكن أسئلتي لم تكن كثيرة، حيث كانوا يردون غالبا إنني سأرى وأجرب بنفسي، ولم يكونوا يرغبون في الإيحاء لي أو دفعي لأية أحكام مسبقة، تاركين ذلك لاحتكاكي المباشر وتقييماتي الشخصية حسب قولهم، عدا بعض التفاصيل التي كانوا يعتقدون أنها مفيدة لي، وتختصر الكثير من الوقت، وتجنبني بعض المفاجآت والإشكاليات.
    

طاقة وحيوية وتفاؤل في السجن

    كنت من كل ذلك منبهرا بشكل أكبر بازدحام يومهم، بالقراءات المتعددة، وبتعلم اللغات، بالتمارين الرياضية اليومية. انبهرت بحجم الطاقة والحيوية والتفاؤل الذي لديهم، والتي كانوا يتمتعون بها، كما لم يخل الأمر بالطبع من بعض المشاكل والمنغصات، وبعض الخلافات الطفيفة التي كانت تطرأ من آن لآخر، وحسبما عايشت ذلك فيما بعد. لكن ظلت حالة التقدير العالي، والتي أكنها لهم وأنا بخارج السجن، بل إنها زادت عن ذي قبل كثيرا دون شك، عندما عايشت عن كثب هذه الشخصيات، بتماسكها الداخلي وثقتها بالناس وبالمستقبل ومدى حبها للوطن، واستمرار رسوخ إيمانها بكل القيم الإنسانية والثورية، وتلك المتابعة التي تثير الإعجاب - ورغم قلة المصادر - لكل ما يجري في العالم، كما رأيت أن السجن لم يزدهم إلا صلابة وقوة ونضجا ووضوح رؤية، مع بعض التمايزات بالطبع، وأيضا بعض الاختلافات النظرية، بل لقد راكمت فترة السجن لديهم ثقافة أغزر ووعيا أكثر عمقا، والأهم ربما، أن كل ذلك كان مصحوبا بقدر كبير من النقد الذاتي، وخاصة لدى بعضهم.
    كل هذا أوضح لي من ضمن ما أوضح، كم كانت حصيلتي الثقافية فقيرة، وكم كان وعيي السياسي غير عميق، وكم كنت أحتاج من بذل الجهد التطوير كل هذا وتعميقه لذا فإنه ومن منطلق هذه البانوراما وهذا المسح الشامل، وبكل هذه المشاعر، وأيضا وفق هذه الرؤية المنطلقة من إحساس عميق بالمسؤولية، تم دخولي إلى هذا العالم المثير والشيق، والمفتوح على معنى الجدوى وأهمية الفعل ووضوح الرؤية، والمؤسس لخياري في الحياة، وضرورة الفهم الأعمق للكون والبشر والتاريخ، وقضايا الوطن والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، لكل ذلك سعيت ومنذ البداية إلى الانهماك في برنامج مخطط للقراءة، بحث وتوجيه من كل الإخوة، وخاصة أخي عبد الفتاح وأيضا من عبد العزيز وعبد الحميد، مع البدء واستمرار الخوض في نقاشات جادة وعميقة وبشكل يومي.

تقاسم المهمات وتجاوز الخلافات في السجن

    كان الطهو يتناوبه اثنان كل يوم، وذلك بإعداد وجبتي الغداء والعشاء وغسل الأواني، أما التنظيفات فكانت عامة، أي كل ينظف زنزانته، ونتشارك معا في تنظيف الممرات والساحة، بإشراف لجنة ذلك اليوم، مع مسؤوليتها عن تجميع القمامة ووضعها أمام الباب الخارجي للقسم، ليأتي أحد السجناء العاديين المكلف من قبل إدارة السجن، وأخذها بعد ذلك في المساء
كنت أعرف - كما قلت – إخوتنا جماعة (حزب التحرير، فقد كنا معا منذ اعتقالات أبريل سنة 1973، لكنني لم أكن أعرف بقية الإخوة حتى الذين كانوا من مدينة الزاوية ، فلم يكونوا معنا حينها رغم اعتقالهم قبلنا، والذين كان اهتمامهم بي أكبر بالطبع حيث هم من مدينتي، وقد كان لي معهم حديث مستفيض عن أحوال المدينة والتبدلات التي طرأت عليها، وكانوا يسألون عن بعض الأشخاص، وخاصة الشخصيات العامة منهم، وكنت أجيب عندما يكون لدي أية معلومات عمن يسألون. غمرت من الجميع بحب ودفء كبيرين، وقد كانت حياتهم يسودها تسامح فعلي بشكل كبير، إذ كانت حياة السجن تدفع إلى تجاوز الكثير من الخلافات العقائدية وحتى الشخصية، لتترك المجال واسعا للتسامح والتفاهم والحرص على روح التشارك من أجل تخفيف وطأة السجن البغيضة، مع الاحتفاظ طبعا ببعض المسافات والحدود المتفق عليها ضمنا، فكنت تجد حياة إخوة وأسرة واحدة تقريبا.

الإبشات وتقسيم المصروف والأكل بالتساوي

 عدا بعض الأفراد القلائل الذين يشدون عن هذه القاعدة. لكنني لاحظت ومنذ البداية تقريبا شيئين مهمين باعتقادي، الشيء الأول: هو أن مجموعة (الأبشات) كانوا يصارعون من أجل أن يبقى التصرف في كل شيء يأتي من الأسر في الزيارات - أقصد الأكل والمصروف خاصة - جماعيا ومشتركا، وذلك بغرض التساوي وعدم إحساس من لا تأتيه زيارة أو تأتيه في فترات متباعدة البعد مقر إقامة الأسر عن السجن، أو أن أسرته ليست ميسورة الحال، وليس بإمكانها تلبية طلباته بأنه أقل أو غيرند للآخرين، أو بأي إهانة لكرامته أو جرح لمشاعره، وهنا يجب أن تقال حقيقة مهمة جدا، وهي أن أغلب الأسر، وكنوع من التعويض عن حرمان ابنهم من حريته، كانوا يبالغون في توفير كل مايطلب وما لا يطلب منهم، وبكميات كبيرة أيضا، وحسب قدرات الأسر بالطبع، لذا كانت الأسر تحرم نفسها من الكثير من الأشياء التي تحتاجها، ليمكنها ذلك من أن توفرلابنها أو لأخيها أو لأبيها السجين كل ما يطلبه، لأنهم لا يريدون له أن يحس بأن شيئا ينقصه أو يحس بالحرمان، ويعتقدون أنه بذلك سوف يتضاعف الإحساس بالسجن لديه عندما يكون مضطرا لطلب ما قد يحتاجه من أحد من زملائه السجناء - وذلك لكي لا يكون هنالك سجين يأكل أكلا جيدا توفره له الزيارة، بينما الآخر لا يجد ما يأكله إلا ما توفره له إدارة السجن -
     وللأسف الشديد كانت تواجه مجموعة [الأبشات بعض المعوقات والمصاعب في تطبيق هذه الفكرة، بل الرفض المطلق أحيانا من بعض السجناء، وقد كان هذا الموقف يضمر - في الحقيقة - حساسية مفرطة ومبالغ فيها منهم، باعتبارهم لذلك عملا سياسيا وتطبيقا من مجموعة (الأبشات لأفكارهم الاشتراكية، لكنهم رغم ذلك واصلوا جهودهم  وبإصرار على نجاح الفكرة، واستمروا في تطبيقها لوحدهم، وذلك بوضع كل ما يتم إحضاره لهم في الزيارة من أكل ومواد غذائية في المطبخ، ليأكل منها كل من يريد، واستمروا في ذلك فترة طويلة بينما أولئك الآخرون ممتنعون عن ذلك، مع أنهم كانوا غالبا ما يستهلكون من هذا الطعام العام، بينما هم يحتفظون بما يأتيهم في الزيارة داخل زنازينهم. لكن مجموعة الأبشات لم يعلقوا على ذلك بل صبروا واستمروا، إلى أن أتى الوقت الذي بدأ فيه السجناء الرافضون يقتنعون الواحد تلو الآخر، ويشتركون في تطبيق هذه الفكرة الإنسانية النبيلة، والتي لم يكن لها أي مدلول سياسي في الحقيقة، وتوج ذلك اشتراك مجموعة | التحرير، واستمرت تلك الفكرة - التي لم يبدأها أو يطبقها بذلك الشكل أحد قبل مجموعة [الأبشات] - مطبقة إلى ما تلا ذلك من سنوات السجن التسع المريرة والقاسية.
     ومع كل التطورات والتغيرات التي طرأت على الأحوال السجنية - وسيأتي ذكر ذلك لاحقا - إذا كانت كل مجموعة أو أفراد يأتون، يجدون هذا البرنامج مطبقا في ينضمون إليه باعتباره أضحى من سمات الحياة السجنية بتضامنها وتكافلها. كما سأتي على ذكر مجموعة أخرى في أحد مراحل فترات السجن، عارضت هي الأخرى وللأسف الشديد هذا المشروع بشدة، ولكن سرعان ما وافقت هي أيضا، وقررت الانضمام له، وبقى هذا النظام ساريا في السجن، حتى بعد خروج مجموعة [الأبشات - هذا ما سمعناه من سجين خرج بعدنا بعدة  سنوات - وبات ينسب إليهم ويشار إلى ذلك بالكثير من التقدير والاحترام، لما حققه من تأخي وتكافل وود ومساواة. كما كان التشارك يشتمل حتى على الملابس أيضا، فمن تأتيه ملابس في الزيارة يأخذ حاجته الضرورية فقط ويوزع الباقي على من يحتاجونه، يفعل ذلك مبادرا ومن تلقاء نفسه بشكل لا يضطر الآخرون لطلبه.

محاولات أستقطاب السجناء

    أما الشيء الثاني: فهو ملاحظتي - وأيضا أكده لي بعض الإخوة الآخرين فيما بعد - أن ثمة مجموعة كانت تمارس وبشكل فيه الكثير من الفجاجة والسذاجة أيضا للأسف الشديد، ما تراه وتعتقده عملية استقطاب ضرورية لأي سجين جديد، أولا بهدف کسبه إلى معتقدهم، أو على الأقل بأن يبعدوه ويحذروه من الاقتراب من غيرهم من المجموعات، وكان غالبا ما يتم ذلك - للأسف الشديد - بطرق سطحية، وبأساليب غير مشروعة ولا مبررة بالطبع، بما تتضمنه من افتراءات وأقاويل لا تليق بهم، وكان ذلك الجهد الاستقطابي بغرض تنفير القادم الجديد من التعامل مع الآخرين وتخويفه منهم بادعاءات كثيرة مزعومة.
     كانت مجموعة [الأبشات تقف - حقيقة - متفرجة على هذه اللعبة، والتي غالبا ما تنتهي بأن يأتي السجين اليحكي كل ما دار بينه وبين هذه المجموعة وكل ما قيل له عن الآخرين، ويأسف بأنه صدقهم في البداية، وصار يتحاشى التعامل مع من حاولوا تشويههم، لكنه ومع مرور الوقت اكتشف وتأكد بنفسه إنهم غير ذلك، وغير ما سمعه عنهم، بل إنهم أناس طيبون ويحبون الآخرين، وإنهم مثقفون ثقافة عالية، كما إنهم - وعلى العكس من المجموعة المحرضة - ليسوا مهتمين باستقطاب أحد، ولم يسمعوهم يتقولون أو يطلقون الإشاعات على أحد. لقد كان هناك بعض هؤلاء المساجين القادمين الجدد يرفضون، ومنذ البداية، استخفاف المجموعة المحرضة بهم وبعقولهم ويطالبونهم بالكف عن تلك النميمة التي تتنافى مع الأخلاق والسلوك الديني القويم، قائلين إنهم وحدهم القادرون وبشكل صحيح على التمييز بين الناس، ويأتي هؤلاء أيضا اليحكوا لنا القصة نفسها. 









تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -