أخر الاخبار

المعارضة ..للكاتب مجاهد البوسيفي

 المعارضة ..للكاتب مجاهد البوسيفي

الحركة الوطنية الديمقراطية الليبية 

    بعد عمل طويل ودؤوب وشرس اختفت المعارضة الداخلية بكل أنواعها، ظلت البلاد سنوات وسنوات تشهد مهرجانات دورية لشنق المعارضين في الساحات، وشنت عملیات عزل وتهميش شاملة لمن رغب في الجنوح عن النظام، وبهذا الجهد الكبير هدأت الجبهة الداخلية أخيرا، ودخل العقيد سنوات مجده الكامل الذي لا يسمع فيه مطلقا كلمة اعتراض - ولو تلميحاً- على ما يقوله ويفعله، لكن هذا الحل أفرز بالتدريج ظاهرة أخرى جديدة ستنضم لمنغصات الحكم، إذ أن انعدام مساحة الحركة في الداخل دفع العديدين الذين يريدون أن يعبروا عن أنفسهم، أو النجاة بتجارتهم أو حتى بمجرد حياتهم العادية، إلى الخروج من البلد متى ما استطاعوا، ولم يتأخر حتى بدا خروج معارضين سياسيين بين هؤلاء، ومع الوقت صار هناك نوع من الحراك نما وكبر، 

 انعدام مساحة الحرية في الداخل دفع العديدين للخروج من ليبيا والمعارضة من الخارج
وعلى خلفية الحراك الطلابي ومن ثقافته، كان أغلب مؤسسي أول التنظيمات السياسية المعارضة في الخارج، ' والذي حمل اسم "الحركة الوطنية الديمقراطية الليبية" هم زملاء سابقون في الجامعة الليبية، التقوا في الخارج الذي وصلوه عن طريق البعثات أو فراراً من النظام إثر صراع الطلاب مع العقيد، وبعضهم من الذين عملوا في تنظيم "الطلبة العرب في أميركا" الشهير، واكتسبوا بعض الخبرات مثل "محمود شمام " و" فتحي البعجة" و"علي الترهوني. 

التصفية الجسدية 

القذافي الذي جاءته الأخبار ببوادر الوضع الجديد حاول معالجة الأمر بأسلوبه المفضل من بدايته، أعلنت اللجان الثورية كما مر بنا في فبراير 1980م نقل بند "التصفية الجسدية" للخارج أيضا ، بعد أن كان مقتصراً على أهل الداخل فقط، وبعد أقل من أسبوعين من ذلك الإعلان عمت الدماء كل مكان، بدأ التنفيذ بالقبض على المحامي "عامر الدغيس"، وهو بعثي قديم ليختفي أياماً قبل أن يُعثر على جثته في المستشفى بحجة أنه انتحر ، ومُنعت أسرته من رؤية الجثمان قبل الدفن، في نفس الفترة، اغتال فريق من ثلاثة أشخاص"محمد مصطفى رمضان" المذيع بإذاعة لندن، ثم المحامي "محمد نافعة" الذي سبق له وأن عمل محاميا للسفارة الليبية في لندن قبل أن تتحول إلى "المكتب الشعبي " بعد زحف سلطة الشعب، (وقتل المعارض علي محمد بوزيد في متجره بلندن) واستمرت سلسلة الاغتيالات المستمرة لقرابة عقدين من الزمان، ستخف وتيرتها كثيرا بعد سنوات، لكن منهج الاغتيال للمعارضين استمر وسيلة مستخدمة كلما احتاج الأمر ووانت الفرص.

محمد المقريف 

لكن كل هذا، لم يوقف طبيعة حركة الأشياء، ونشأت کیانات سياسية صغيرة معارضة أخرى هنا وهناك، للإسلاميين والملكيين، وبعض رجال الأعمال الذين صودرت ممتلكاتهم وأممت أعمالهم، وبعض الدبلوماسيين بسفارات ليبيا في إحياء لمشهد المعارضة التي كانت تلك الأيام مهنة لا يمكن النجاة من خطورتها في أغلب الأحيان.

ونظرا لحداثتها وبٌعدها الجغرافي، واقتصار أعضائها على النفر القليل، بقيت تلك التنظيمات على هامش حياة الليبيين في الداخل فترة من الزمن، حتى جاء رجل من خارج الدائرة، ولم يعرف له نشاط سیاسی من قبل ليغير المشهد بالكامل في مطلع الثمانينات، وكان أسم ذلك الرجل هو: محمد المقريف.

ومع أن "المقريف" لم يكن يحوز على تاریخ سیاسی يذكر، لكنه لم يكن خامل الذكر في أوساط الجهاز الإداري والاقتصادي منذ زمن ، فقد امتلك سيرة علمية ومهنية لافتة ، الأول على المملكة في الثانوية، وخريج اقتصاد بامتياز، ومعيد في كليته قبل أن يتحصل على الدكتوراه من جامعة لندن، ويعود للتدريس فيها ثم العمل وكيلا لها ، وفي عام 1975م تم تعيينه رئيسا لديوان المحاسبة بدرجة وزير، وبقے في منصبه ذاك خمس سنوات قبل أن ينتقل سفيرا في الهند. ينتمي لعام معروفة في محيطها الاجتماعي، شغل أحد جدوده منصب متصرف، و كان ابن عمه " امحمد المقريف" من الخلية الأساسية للضباط الأحرار التي قامت بالثورة، واسم معروف في مجلس قيادة الثورة، شغل وزارة الإسكان، قبل أن يتوفى في حادث سير في العام الأول من الثورة، أول السبعينيات، وأكسبه موته التراجيدي المبكر ذكرى طيبة عند الناس.


المقريف أستقال من عمله كسفير وأعلن معارضته العلنية لنظام القذافي في أكتوبر 1981م

عام 1980م سيكون أول ظهور كبير له، عندما استقال من منصبه كسفير في الهند، وغادر إلى المغرب، حيث أعلن معارضته العلنية للنظام، ثم في أكتوبر 1981م ظهر مجددا في السودان لإعلان "الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا"، التي كان في مركزها، تولى مهمة ناطقها الرسمي قبل أن يصبح أمينها العام، وهكذا راية المعارضة العلنية "رسميا" إلى الخارج.

جبهة الإنقاذ

ضمت "جبهة الإنقاذ" كما سيعرفها الليبيون أغلب الأفراد المتناثرين في تلك التنظيمات الصغيرة ، وكثرة من المستقلين الذين كانوا مترددين حتى تلك اللحظة في المشاركة بشكل تنظيمي في العمل العام، كانت الساحة تبحث عن " قائد" يلملم المعارضة، ويوحد أهدافها ، ولسوء حظ العقيد قد جاء هذا المنتظر واستلم الأمور.

ما أن أعلنت الجبهة عن نفسها حتى غمرها الدعم من كل الدول التي لها خصومة مع العقيد، وهي ليست بالعدد القليل ، تم توفير كل المطلوب، وكان المال موجودا بكثرة، وبأكثر مما يحتاج اليه بالفعل، وانتعش التنظيم الجديد في وقت قصير، وصار حتى على المستوى الإقليمي ورقة من الأوراق، و طرفا أساسيا في الصراع، وبالطبع لم يكن في كل هذه التطورات ما يسر العقيد بأي حال، فالمقادير التي استخدمت لخلق الوضع الجديد لا تتناسب بدرجة كبيرة مع نظرته للأمور، عميقا في داخله كان يرى أن وجود معارضة في المحصلة الاخيرة أمر مفيد لخدمة الثورة، التي تحتاج دائما لعدو يمنحها شرعية وجودها ، ولممارستها العنف ، لكنه كان يرى أيضا أن كل ذلك يجب أن يكون بحساب، كما تحسب المجتمعات الحديثة نسبة البطالة في الاقتصاد، فقط بالحجم الذي يكفي لتنشيط المسرح، وإبراز ضرورة الثورة وشرعيتها في الدفاع عن النفس، وبشرط أن يتم هذا التفاعل في ظل ظروف ثورية تضمن القدرة على حسم الصراع متی ما لزم الأمر،هذه هي وجهة نظره تقريبا في الأمر، وكان واضحاً له أن ما يحدث هذه المرة مختلف بعض الشئ مما يبعث على القلق، فكرة وجود "قائد" آخر يشار که حديث الناس أمر لا يمكن للثورة أن تسمح به ، وسيحاول الوصول لهذا الرجل الجديد بكل الطرق ، بما في ذلك التنازل الممر لصدام حد عرض سرب من الطائرات المقاتلة علیه كثمن تسليمه له في عز حربه مع إيران.

بعد إعلانها مضت الجبهة الوطنية في مسيرتها، وعقدت مجلسها الوطني الأول بالرباط في نفس العام، وسرعان ما وصلت أخبارها في الداخل لكل بيت، ودخلت ضمن تعابير الحديث اليومي "المرمز" بين الناس، وعندما صار لها إذاعة تبث من تشاد والسودان حيث الاستماع إليها في ليبيا ممكن، حازت شهرة "سرية" كبيرة بين الناس، مرة في تلك الأيام كنت في قرية صغيرة في البادية تبعد ساعات با لسيارة، وأثناء سيري مع مضيفي بعد العشاء مررنا بمجموعة من الجيران متكومين تحت جدار بيت قديم، يستمعون لشيء قطعوا صوته حال ظهورنا ، وبعد أن زگاني مضيفي لديهم، وضمن سريرتي أعادوا فتح " الراديو" من جديد، وقد كان يبث صوت المعارضة مستأنفين استماعهم باهتمام كبير.

اغتيالات اللجان الثورية، ومايو 1984

ظلت اغتيالات اللجان الثورية للمعارضين مستمرة في الأثناء، في اليونان ولندن وروما وألمانيا، كان ينبغي لتلك الأصوات الخارجية أن صمت بأي ثمن، لكن مجموعات المعارضة صمدت أمام موجة الرعب تلك، وواصلت السير في تلك الأنواء، وفي مايو 1984م، وعندما كانت في قمة لياقتها، سترسل الجبهة فريقا فدائيا لاختراق الداخل ، حيث نجح مجموعة من "الفدائيين" في التسلل إلى الداخل، حيث سيكون العمل من داخل الحدود، ولأمر ما، أضطر مخطط العملية ورئيسها "أحمد حواس" للحضور إلى ليبيا بنفسه واللحاق بفرقته ، واختار أن يفعل ذلك من معبر تونس،حيث قبض عليه بعد أن نجح في الدخول بمدينة "زوارة" إثر اشتباه الشرطة به، وقتل في نقطة الشرطة بعد محاولة منه للتخلص من الاعتقال، وبعد أن قتل بدوره

رئیس المركز في تبادل للنار، ومن هنا ستأخذ العملية وجهة مختلفة لم یکن مخططا لها ، إذ بدأت على الفور حملة کبيرة للبحث عن المجموعة المقاتلة، والقبض على المتعاونين المحتملين معها ، وبعد يومين من مقتل رئيس العملية تمت محاصرة بقية المجموعة في عمارة سكنية غير بعيدة من مقر القذافي في باب العزيزية، تحركت قوة عسكرية كبيرة، بما فيها دبابة على الأقل، وقاتلت فرقة المعارضة بشجاعة قبل أن يقتل أغلب الموجودين، الذين أخرجت جثثهم وتم الدوس عليها وسط الهتافات، وقضت دوائر الأمن والثورة بقية الأسابيع، في تنبع من نجا وقضت عليه، واحتفظت بجثث البعض، لثلاثة عقود في الثلاجات. فشلت عملية المعارضة عسکریا، وقتل وسجن العشرات في أقل تقدير جراءها، 

أمر القذافي بأن ثبث الإعدامات في شهر رمضان على مائدة الإفطار
ووصلت التداعيات إلى داخل الجبهة نفسها، حيث ظهرت أصوات تعترض على هذا الخيار الذي يتبنى أدوات القذافي (العنف)، ويمشي في نفس الطريق، ونبهت إلى أن ذلك خطأ استراتيجي خطير، لكن قيادة الجبهة اختارت المضي في طريق النصر السياسي اللماع، الذي توفر لها من العملية التي لاقت تعاطفا كبيراً من المواطنين، مما أكسبها نوعا من الأهمية كورقة للعب في الإقليم. أما من جهة العقيد الذي اعتبر العملية اعتداءعلى عرينه الشخصے، و امتحانا جديدا لهيبته، فقد استمر في التنكيل بكل من طالته يده علنا وأمام كل الشهود، متجاوزا في غضبه الشخصي كل الحدود، أمر بأن ثبث الإعدامات في شهر رمضان على مائدة الإفطار، وأن يكون ذلك في مدن وقبائل المقبوض عليهم، وأن يقوم بذلك القبيلة التي ينتمي إليها المتهم، وأن ينقل كل ذلك مباشرة على التلفزيون الوحيد الموجود في البلد. بتلك المشاعر قاد العقيد حملات متتالية مضادة للجبهة، زاوجت بين المال والرصاص لسنوات طويلة، قبل أن يشعر بقدر يكفي من الاطمئنان، وبالطبع شملت التصفوية أيضا كل معارض وصلته يداه، مهما كان طاعناً في السلمية، وكان يعيد الكرة بعد كل فشل، وأوقعه تلهفه لقتل معارضيه أحياناً لارتكاب أخطاء فادحة في التخطيط،

عبد الحميد البكوش

ففي نوفمبر 1984م للسخرية الكبيرة بعد أن أرسل فريق تصفية جسدية للقاهرة بغرض اغتيال رئيس الوزراء الأسبق "عبد الحميد البكوش"، وهو أمر جارته فيه المخابرات المصرية التي اكتشفت الأمر مبكرا، وأرسلت صورة للبكوش نائما في دمائه کالقتيل إلى طرابلس باسم العناصر المرسلة التي تم القبض عليها، ونقل الخبر في ورقة صغيرة أدخلت على العقيد الذي كان جالسا مع الرئيس الفرنسي "ميتران و باباندريو رئيس وزراء اليونان في جزيرة "كريت" محاطين بالصحفيين لالتقاط الصور التذكارية للاجتماع، الذي كان باباندريو يطمح أن يصل فيه بصديقيه إلى قسمة مرضية في تشاد، وبعد قليل سيقطع التلفزيون في طرابلس سیاق برامجه، مما يعني أن الأمر جلل،وفعلا قرأ المذيع الخبر العاجل الذي

وصله أمام المشاهدين، عارضا الصورة المذكورة، ومؤكدا بلغة حماسية تجييف الكلب الضال" البكوش" ودب الحماس في الأجهزة الثورية مع الكثير من الارتياح لهذا الانتصار، لكن المخابرات المصرية قطعت ذلك الابتهاج بإعلانها عن سلامة البكوش، ووجوده في مكان آمن،وعرف الجميع بالقصة للحدث ، الذي كان ضربة قوية تحت الحزام، وفي أول حديث له بعد هذه الخدعة الأمنية الماكنة علق القذافي على ذلك بأن " المصريين معروفين بالغش"، وتم تجاهل الأمر.

حماقات أخرى

قبل ذلك بأشهر أيضا ارتكب الثوريون حماقة أخرى كبيرة عندما أطلقوا النار في "لندن" من خلف جدران السفارة على جمع من متظاهري المعارضة، مما سبب في مقتل شرطية كانت تحرس المكان، وتم محاصرة السفارة أحد عشرة يوما، قبل أن يتقرر إجلاء حوالى ثلاثين نفراً كانوا متحصنين بها، منهم رئيس جهاز المخابرات ووزير الخارجية فيما بعد "موسى کوسا"، والذي كان قد أشرف شخصيا على مقتل محمد مصطفی رمضان قبل هذه الواقعة بقليل. لكن النظام لم يكن يدير كبير بال لمثل هذه الإخفاقات، إذ سرعان ما يواصل العمل الحثيث على اجتثاث معارضيه. بعد سنوات سيعيد الكرة في القاهرة، وهذه المرة سينجح في خطف "منصور الكيخيا" وهو وزير خارجية سابق، و معارض سلمي يؤمن بالحوار ويحظى بالقبول، وهو أيضاً من مؤسسي المنظمة العربية لحقوق الإنسان، التي جاء للعاصمة المصرية لحضور اجتماع لجنة الأمناء الخاصة بها في ديسمبر 1993م، حيث كان فريق امني بقيادة "إبراهيم البشاري"

الذي بدوره سيصبح وزير خارجية عما قريب، وهكذا تم تخدير الكيخيا، وإيصاله إلى ليبيا، حيث عثر على جثته في أحد البيوت التابعة للأمن بعد تسعة عشر عاما إثر ثورة فبراير، ليحظى أخيرا بجنازة تليق به، هكذا لم يتوقف العقيد عن تكرار المحاولة حتى يعود بصيد ثمين من هذا النوع،وكان القتلة عندما يتم القبض عليهم يعترفون وهم فخورون بما أنجزوه من قتل، أو ما ارتكبوه من عاهات في ضحاياهم، فقد كانوا يملكون غا إيمانا صادقا وعميقا بما هم مقدمون عليه.

وفي كل حال كانت فرق النظام التي تجوب العالم تستهدف أساسا أعضاء الجبهة الوطنية للإنقاذ، ولكنها امتلكت دائما الخط البديلة للنيل من أي معارض يمكن اصطياده وفي أي وقت.

الحركة الليبية للتغيير والإصلاح

تأسست الجبهة في لحظة وطنية عاطفية خاصة، ولفترة من السنوات ستبقى الصوت الذي يفضل الليبيون سماعه، سرا على الدوام، لكنها لم تكن عملا سیاسیا محترفا، وهو أمر مفهوم عندما نأخذ في الحسبان فقر العمل السياسي في ليبيا منذ دولة الاستقلال الملكية التي منعت الأحزاب، لذا،عجزت الجبهة عن استثمار الدعم الكبير، وغير المتوقع الذي انهال عليها من كل جانب لصالح مشروعها السياسي بطريقة راشدة، بسبب حداثة ظهورها، وقلة خبرتها ، والحماس الذي كان مسيطراًطوال الوقت، ولم يكن بإمكانها على أي حال مهما أجادت أن تتغلب على نظام يملك المال والسلاح والأعوان، كما أن قيادة الجبهة ومجلسها الوطني لم ينجحا أيضا في إقناع الكثير من الأعضاء بالخط السياسي المتبع، بالطريقة التي يتم بها اتخاذ القرارات، بعد أشهر من إعلان تأسيسها انسحب منها الإخوان المسلمون، الذين كانوا يعملون تحت اسم "الجماعة الإسلامية الليبية"، معبرين عن خيبة أملهم في فشل الجبهة في أن تكون واجهة للعمل الإسلامي، وستتعرض أيضا لانشقاق ثان كبير احتجاجا على التعاون مع صدام حسين، وفشل حركة ضباط الداخل التي عرفت بها قيادة الجبهة عام 1993م، 

دور الجبهة المؤثر بدأ يتضاءل منذ احتلال الكويت
وأسس المنشقون الذين جمعهم نفس وطني ليبرالي كيانا جديدا أسموه "الحركة الليبية للتغيير والإصلاح" وضمت المجموعة المنشقة أسماء وازنة في العمل المعارض مثل ابريك سويسي، والعقيد السابق خليفة حفتر، الذي كان المسؤول الأول في حرب تشاد الثانية، وعلى أي حال أدرك الزمن الجبهة، ولم تساعد سياسات أمينها العام " المقريف" على تطويرها، اذ احتكر القرار وبالغ في السرية حتى وقع في التكلف، وخاض خلافات جانبية كثيرة، كانت له مجموعته الخاصة من المقربين الذين يحظون بالثقة دون مراعاة لتسلسل التنظيم، ولم يساعده تمسكه برئاسة الجبهة في إصلاح شیء، و كما يحدث في معارضات الأنظمة المتخلفة سیاسیا، نحت الجبهة نحو التشابه مع النظام الذي تعارضه، والتشبه به كلما مر الوقت، وبعد عشرين عاما من الرئاسة أعلن المقريف استقالته، التي انتقلت في عملية معقمة إلى صهره "إبراهيم صهد" وهو ضابط وملحق عسكري سابق ومعارض قديم، وكما يحدث في مثل هذه النقلات، لم يختف المقريف من المشهد، بل أضاف اللمسة الأخيرة من تشبهه بالعقید، عندما بقي في خلف المسيرين الجدد يلعب دور "القائد" في التوجيه والإرشاد، لتكتمل الصورة وتصبح المفارقة كاملة الصفات، وكأننا أمام عملة بوجهين متشابهين.

وعلى كل حال، دور الجبهة المؤثر بدأ يتضاءل منذ احتلال الكويت، فقد تغيرت بعدها التحالفات، ونوع المشاغل في المنطقة والعالم، وانصراف الناس في الداخل لحوائجهم بعد انتظار طويل القدوم الجبهة واستلام الحكم، ليشرع التاريخ في إعداد المسرح لنوع مختلف من المعارضة في الشكل والمضمون.

من كتاب دولة الخيمة  لمؤلفه الكاتب مجاهد البوسيفي
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -