أخر الاخبار

قصة (عووو) للقاص محمد زيدان

قصة (عووو) للقاص محمد زيدان    

  الهاجعون

 الهاجعون في القرية، المحدقون بعيون الليل، لابسو فتنة الصحو، خالعو أجسادهم على أعتاب الخدر اللذيذ، لصوص الساعات الأخيرة، والمعانقون شقاء أعمارهم في النهارات الطوال .
الأتقياء، الفسقة، المصلون الخمس، المذنبون والعصاة.
العشاق، الداعرون، الطيبون، الفجرة، بيض القلوب، وحاملو نفايات البغض البشرى في مساماتهم العكرة.
السكارى، مدخنو الحشيشة، معاقرو النارجيلات، الشرطيون، العسكر، موظفو العلب الحكومية، الباعة المتجولون، والتجار..
النساء، الأطفال، أصحاب التكايا، الدراويش، التلاميذ، المدرسون، الفلاحون والعمال ..
كلهم.. ألفوا عواءه الممتد بحرقة ينفطر لها قلب الحجر.

عووو ۰۰۰
- سعدود.. تعال..
أحد الأطفال يلوح له بعظم
منذ يومين لم يذق شيئا..
    (لم يكن يكتفي بالماء الذي يكرع منه كلما انتهت ربيعة من تشطيف حمام الحاج وتركت له السطل الأحمر عند زاوية الممر،، ولا يقيم الماء وحده حياة نملة.. لكن صابرين، وحين وجدته نائما على أريكة الصالون ذلك الصباح النكد، أقسمت ألآ تترك له طعاما بلغ فيه بفمه حتى لا يوسخ الشراشف البيضاء والملاءات النظيفة.. وأصبحت تضع بقايا الأكل في كيس أسود وترميه في صندوق القمامة الكبير ليأتى عمال النظافة ويحملونه بسيارتهم بعيدا )...

عوعو
- سعدود هيا. الطفل يرمي العظم على التراب ..

   الجوع

    قبل مجيء سيارة الحرمان .. ولم يكن في حسابات صابرين أن الجوع سيدفعه لنبش الكيس .. فعل.. فتمزق، وساحت أكداس الأكل على البلاط المصقول ،، نبش فيه بأظافره، وبدا یکرد بقايا اللحم والعظام..)..

عوو
- سعدود .

يلتقط الطفل العظم ويقذفه في اتجاهه.. ينط إليه، تلسع أمعاءه أفاعي الجوع.. يقلبه بين مخلبيه، يزرعه بين أسنانه، وينطلق بعيدا.. .
    (تدخل صابرين، فيصعقها مس الفوضى التي تستعمر المكان!، المكنسة .. بسرعة مباغتة تلتقطها، وتطرق مخه بمس مضاد .. يرتج مفجوعا، يعوى، يسبح منزلقا في مخلفات الدمار الذي أحدثه، پرطمه الحائط، ويفلته كقطعة مطاط خارج زوبعة القعقعة والهدير….)

عوووو ..

- هكذا ... إلى متى تظلون ساكتين عليه؟، لا بد من علاج لحالته هذه ..

الجارة عواشة لا يعجبها العجب ولا عواء سعدود ..! |

- ماذ يجب أن نفعل؟ الحاج لا يريد الفضيحة، والجميع لا يستطيعون اختراق حاجز الصمت..
لا تجيب ربيعة إلا بهذه الكلمات، ولا ينبغي لها ..
    الليل يرسل جنده المسر إلى منافذ القرية، كإعلان عن قرب موعد حصاره اليومي لها. الشمس تتنازل عن عرشها السماوي للملك القادم على أجنحة الغيم.. تستميت فلول النهار في الدفاع عن أخر نقطة ضوء يتيحها المدى المحتضر.. تتراجع.. تخور .. تنسحب.

تستسلم.. وترث العتمة كل شيء .

  سعدود

يسرع الأهالي إلى بيوتهم محملين بالمؤن ومتطلبات الحصار، يغفلون الأبواب والنوافذ ويتسربلون بالدفء والشخير.. وفيما يهجع البعض ويصحو أخرون، ينطلق في سكون المشهد صوت وحيد:

عووو ۰۰۰.

سعدود صديق الليل. لا غيره يمنحه تذكرة السفر العتمة ..

بالخوف والصقيع كيفما شاء، ووحده أيضا يحق له إطلاق صوته الحاد ليثقب غشاوة الصمت البليد الذي يرين على قلوب الجميع حين ينشر الليل دورباته في الشوارع المهجورة ..

عوووو ۰۰۰

مفردا. يتسكع في الأزقة الخاوية ، يحف الحوائط الملسا، يكتفيه ، ويتوقف أمام أحد الأبواب.. بحنى رقبته كأنما يتسمع ما وراء النوم، يشمشم الأقفال النحاسية، فتلسع خيشومه يمس بارد .. يرتجف معربدا ما راق له من عبث معربد ، ثم ينطط على الرصيف مزهوا بما نال من نشوة اللحظة.. يتفاقر تحت مسيل الضوء الذي يسكبه القمر. يدور في حلقة الظل، يرقص ذيله ، يقف على قدميه ممططا رأسه نحو ثقب السماء الأبيض ، كأنه سيقضمه.. يقعى منهما على الحلقة .. يعارك ظله لحظات، ثم يجفل بعوائه مهزوما بخيبة الاكتشاف الأخير.

ينتبذ بين الحقول مكانا شماليا ، يفترش الأرض ، يلتحف النجوم ، وينفو.. (الحاج ينتصب بين عينيه وفسحة الممر.. يأخذه من رقبته ساحا معه عواءه المسلوخ إلى حيث ثلاثة رجال بلباس أبيض ينزرعون على الرصيف.. پرصونه بينهم، وتنطلق السيارة إلى مكان بعيد ..)..

يتقلب في الإغفاءة.. تعبره رعدة. يرتجف.، يفرز مخلبيه في دفء الطين، وينكمش في داخله ..

    (أحد الرجال يحكم قبضته على عنقه ، يسلخه من كرسيه ويعلكه متكوما على الرصيف، تمتد سيقانهم في المسافة ما بين عينيه ورؤوسهم المتدلية من السقف الشاحب.، يميلون عليه دفعة واحدة، و .. يتحول المكان بأسره إلى كتلة من هلام أحمر تلطخه بقع عجينية بين الأصفر، البرتقالي، الأخضر، و الأسود .. ثم، لا شيء....)
    كأنما العجوز ذو المعطف القصير يقرر فجأة شيئا غير متوقع! - كل زوار هذه المصحة هكذا.. هل يعرف أهله ما يحدث ؟؟ - كأنما الشاب ذو النظارة الكبيرة لا يدري ما يقول.. !

عوووو ..

يتمطى على السطح الطيني الرخو، منسا لدمه المتخثر عناق ما تدلقه الشمس من دفء لذيذ .. يمرغ جسده برماد الأمس، ثم يقفز مطلقا ساقيه لرياح اليوم.

يمتشق ظله الغبار..

   القرية

القرية ، تنبعث من رقادها الطويل. تصحو ، تفرك عينيها محاولة كنس بقايا النوم المتكدس في الأجفان المحتقنة بتفاصيل ما دار ليلا خلف الجدران .. تتمطى ، تتثاءب ، تعلق على كتفها منشفة حمراء وتدخل عرفة الانشراح.
تسكب جسدها المقرور في أبخرة الحميم المتصاعد، تدلكه بالفقاعات الملونة ، فيسرى الدفء في العروق الظامئة لشقهقة الحياة .. يغمرها انتشاء صاعد من أسفل القدمين حتى رجفة الصدر الأعلى.. تنثر جدائلها على ضفاف الجسد المتهالك من أثر الهجوع.. تنزلق في دوامة الخدر الطاغي على الحواس المنفلتة الآن من سطوة الوعي.. تضج بالشهوة .. تتفتح في الق التخيل كوة التجلي ، ويهبط ملاك أبيض بأجنحة وردية ، يناغي الجسد الممدد ، ويمنحه أصابع النار التي تحرر الروح من صدأ الخطايا العالقة.. تمرر الأصابع على العشب الغافي بدلال على وهاد الأرض الحمراء.. ارتجاف.. زلزلة.. يهتز المكان ، يتشظى و يتلاشى ، ويتبركن الطين نافتا دخانه و مدلقا مسيله النارى على حواف التلال المعشبة, تخور .. تسكن،، تهدأ.. و تنبت زهرة الصباح في رماد الجسد، تغادر ، تكوى فستانها ، تسرح شعرها ، ترش العطر على عنقها ونهديها ،، تتناول إفطارها ، وتزف نفسها عروسا لنهار جديد ...
عوووو
صوته يخترق زحام المارة ، يعيد لرؤوس الكبار الصور القديمة لصبوته ، ولوجوه الصغار ملامح مكرهم العبثى لاستفزازه، فتطير الحوفلات وعبارات الأسى هنا وهناك، وتنس الوشاشات الخبيثة في أذان الصغار |
- لا حول ولا قوة إلا بالله..
- ۰۰۰۰۰. اها اها اها .. قريب قريب..
يقسم عامل المقهى لزائره الغريب أن الحاج لم يترك طبيبا ولا فقيها من أجله، لكن المحبون يا عالى.. العين صايبه والأقسام أرزاق.. .
هكذا يفسر سالم بن بشير الأمور دائما.. كل شيء قسمة ومكتوب بنظره! ، لكنه يغتال قناعاته بسرعة مباغتة حي يغادر الزبائن ولا يتركون بقشيشا على الطاولة ..
- الله لا يوسعها عليه .. ايش يضره لو خلي قرشين .. أما والله جلدة!

   برهوم

يتفرق الصفار حسب الخطة ، يتوزعون على ناصيتي الشارع العام .. أحدهم يراقب سعدود حتى خروجه من منطقة التجمع.. وحالما ينفرد المسكين وحيدا في الخلاء ، يطلق الصغير إشارته الصفيرية الحادة ، وينهمر القطيع دفعة واحدة في اتجاه سعدود ، مطلقين عليه رشاشات الحجر وعلب الصفيح الفارغة ، والأحذية ..

عووو .. عوووو ۰۰۰

يغالب تخبطه المفاجئ في وحل الآلام، يصارع ثقلة الجسد المهدود من أثر اللطم المباغت وينفلت بجراحه في أقصى المدى، مخلفا وراءه صياح الصغار ممزوجا بغبار المؤامرة..

- حالة.. يا الله .. بالك يهدى الحاج.. الصبح قال بيرفعه للمدينة

نفث المهدی دخان سيجارته على طرفها المشتغل ، فتوهج.. سحب نفسا جديدا وأخرجه محملا بكلمات أمنيته الأخيرة

- يا رب يا برهوم يخليني نمشي معاه ..

- إن شاء الله..

عووو

يجرى .. يلهث .. يقفز فوق الأسلاك الشائكة التي تزنر عيدان التحيل والقصب .. يجری يلهث، المسافة تتكور أمام عينيه، وتهتز نخلات الحقول فيما يشبه رقصة زلزال پوشك أن يقع فيقتلع كل شيء من مكانه ويطوح به في الفضاء،

يجري ،، يلهث ،، ينزلق،، يسقط في حزمة الجريد اليابسة ، تخزه الأشواك، يقفز ، بجری .

يسقط .. يقوم .. يجری . . يلهث .. تنفتح شاشة الرؤى وتتداعى الصور أمام عينيه لقطة القطة

(برهوم يمسح العرق المتصبب على جبهته ووجنتيه بأصابع مرتعشة، ويعبر المهدي الحشد المتراصف أمام اللوح الزجاجي محاولا الوصول إلى الجهة الأخرى، حيث يتكدس جمع من المنتظرين حول باب ينشق بين حين وأخر عن وجه فتاة عصبية الملامح، تحاول التقاط وجه ما يشبه سعدود .. فيما يغوص وجه سعدود بين ذراعي برهوم، محاولا بدوره التقاط ما تناثر من حديث بين رجلين ، يعبر أذنيه بتشوش حاد :

- اليس.... سعدودة ... ما به ..؟؟

- ۰۰۰.ومنذ ذلك الحين .. وهو يعتقد أنه كلب ۰۰۰).
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -