أخر الاخبار

حكاية عجوز…للقاص سالم الكبتي

حكاية عجوز…للقاص سالم الكبتي
 حكاية عجوز…للقاص سالم الكبتي

   الشمس

 أشرقت الشمس عظيمة من خلف الجبال المنتصبة بشموخ في وجه السماء ، وبدا أن الهواء سيكون قائظ، حتى لقد تيقن لدى المتجمعين هناك وسط الميدان أن المطر سوف لن يعيد تهاطله اليوم بعد أن ظل ينهمر وينهمر بلا توقف طيلة الأيام الماضية. لقد غسل كل شيء بقطراته المزغردة في مرح منطلق .. البيوت ، والأرصفة ، والساحات الحالية، وذؤابات الشجر ، وجميع الرحاب ، إلا أني أشك في أنه غسل أي قلب بشري ودعكه على نحو يجعله ناصع البياض !!
حلقت من بعيد رائحة طيبة من المراعي القريبة .. حلقت بما يكفي الأن يعبق العالم كله ، ومن جهة ما أخذ حمار ينهق
…... رائحة لم يستروحها شميمي من قبل ، هكذا يتهيأ لي ! ..
قال صديقي بخفوت ، ولم أشأ أن أرد عليه .
كان الميدان ضيقاً بحيث تستطيع العين أن تمسح كل ما فيه بنظرة واحدة خلال لحظة ، هذا إذا شاء المرء أن يمتع بصره ، وكان الأطفال يخوضون بأقدام حافية عبر الغدران التي خلفها المطر في ابتهاج ملحوظ ، وفي منتصفه تماما كانت توجد محطة صغيرة تتجمع فيها العربات ناقلة الناس نحو كل اتجاه ..

شحات

- "شحات .. شحات" ، صاح واحد بصوت مرتفع . وكرر مرغبا
"من يبغ الذهاب فليأت على عجل ! "
بينما أرسل بصره بسرعة إلى رفاقه الجالسين باسترخاء على مقربة منه بنظرات تشير إلى أنه يراقب ما يحدث ويتحتم أن يتذكروه بطاسة شاي!!
كان يوما من أيام أبريل ، ولقد تقدمت وصديقي وولجنا العربة ، كنا نود رؤية أصدقاء آخرين في شحات ، ولم نكن بمفردنا اذ ألفينا العربية مزدحمة بركاب سوانا ..
- " النقود .. النقود أولاً"
هتف السائق بعد أن احتسى طاسته وهو يتلمظ في فرح ماكر ، كان رجلا نحيفاً أحول ، ومعتمراً قلنسوة ممالة على أذن واحدة فقط ، وكان لا يزال يدخن.
"أنتم أيها السائقون ، قال راکب أنتم لا تملكون الثقة في أحد ، کما لم يمنحكم الله فضيلة الصبر ، دعنا نصل الى هناك أولا ثم نعطيك اياها" .
وينظر إليه السائق دون أن يلفظ شيئاً.
ازدحمت العربة بالراكبين ، وأعول طفل رضيع قليلا ثم كف ، وظل ذلك العجوز الهرم يرمقني بنظرات متوالية كأنه يعرفني منذ زمن ، ولا أدري أنا لماذا ذكرني مباشرة بصورة جدي، وعلى أية حال .. فعندما تركنا "البيضاء" خلفنا وغطتها السهوب عن النظر ، أدار السائق أزرار المذياع وإذ لم ترق له نشرة الأخبار أغلقه على الفور ، وفيما حاول أن يفتح
التسجيل أمامه انطلق صوت العجوز متهدجا .. وقوراً يحكي ، كان عجوزاً متهدماً وقد زحفت الأعوام متتالية عليه ، وكان مهيباً ذا لحية بيضاء كثيفة، وكانت الغضون تنتشر عبر وجهه ، وكان يحكي حكايات شيقة ، كانت العربة في تلك الساعة تضمنا حزمة أنماط إنسانية مختلفة ..
- "كان زماننا ، على الرغم من كل شيء ، زماناً رائعاً وطيباً .. كانت الناس طبائعهم وفية على نحو الضبط ، وكنا نتساعد بلا انقطاع ونصمد معا في وجه الخوارق ، أما الآن.. أما في هذا الزمان فقد تغيرت الطبائع حتى أنها تكاد ألا تصبح انسانية وبشرية محببة . هذا حق في الواقع ، أوه ، إنك تتعثر في هذا الوقت ولا نجد من يزيل الأحجار عن دروبك حتى تسقط على وجهك ، هذا حق !!

من النوافذ

وأعول الطفل من جديد ، وطفقت الأم تمسد له شعرات رأسه ثم همهمت بكلمات حانية ما لبث على أثرها آن غفا راحلاً في نوم طفولي غامر ، وكان أحد الركاب بواصل اسداء نظراته بخبث نحو فتاة تجلس في الخلف .. ومن المحتمل أنه وقع في حبها ، بينما يرمق السائق أفعاله بعين واحدة عبر انعكاسات المرأة !
من النوافذ تلوح كل الأشياء جميلة مشرة كحلم دافئ لذيذ لا ينتهي ..
التلال المترامية المخضرة والتي كأنها تمشي معنا ، والشمس الساطعة ، والسهول العامرة بالخير .. بأمواج سنابل القمح المترفة والممتدة على مستوى البصر بلا حدود ، والسماء الصافية الزرقاء، وليس ثمة ما يوحش كل ذلك يملؤك بالابتهاج وتحس أن لديك شيئا تملكه وسطها ، حسنا ، وإذ اصوب بصري خلاله .. ويتلألأ شيء ما في صدري ، وتجتاحني سعادة مكابرة، يردف العجوز أحاديثه مثل أحد الحكماء .. وير مقني بنظراته الجادة المنطلقة من عينيه الضائعتين في وجهه المتغضن ..
- " في أيامنا .. تحس أن الناس كلهم مثل جماعة قريبة من روحك .. ولا يصيبك الملل من رؤيتها دوماً .. هذا على الرغم من الفقر والجوع و الهلاك المتربصة كذئاب الأودية ، والآن تحس كما لو كنت منفصلا عنهم وبأنك لست منهم، أعني كأنك مقطوع من جذع شجرة ، إني أدرك هذا حقا .. فلقد خضت تجارب عديدة بعينين ثاقبتين ، ورأيت الكثير أجل ، الكثير ، ولكني على طول حياتي لا أتذكر أن شاهدت صفاقة كصفاقة ذلك الموظف الذي طردني بعنف حين أتيت لكي أطلب اعانة اجتماعية مقررة أشعر بأنها من حقي !!"
وأحس بأن الدموع تقرب أن تنحدر منزلقة من عيني العجوز ، ويقعد في حزن ، ويعدد كل ما حولنا خارج النوافذ بهمة ناشطة ، وأقول في داخلي .. " أحكي .. وأحكي أيها العجوز !!"
- " أوه، أنتم جيل عجيب . ولی تشاهدوا مرة واحدة ما شاهدناه نحن، ماذا تعرف أنت يا فتى ، نحن أتينا بكم ، کجیل سابق ، وأوجدناکم وسط دموعنا من العدم .. من الفراغ ، أوه، ماذا تعرفون جميعا ، ماذا ستفعلون إذا شاهدتم نصف ما شاهدناه" ؟
- "انه بخرف .. يخرف مثل جدتي ، لا تعره انتباهك !"
قال الصديق ، فيما لكزته بكتفي ، وواصل ذلك الراكب نفث نظراته نحو الفتاة ، وأحسست أن العجوز قد اشتعلت أمامه كل الذكريات القديمة .. وقفزت حاملة معهما كل مخلفات السنين الغابرة البعيدة ، وانه يحذف ويحذف فوقها مثل بحار حاذق ..
- "تصرفات الناس الآن فيما بينها تشعرك بالخجل .. وتدع الدم ينفجر من عينيك بضراوة ، أنتم جيل من نوع ثان ، هه .. اسمعوا ، أن لدي أولاداً وأحفاداً عديدون إلى درجة انه ينألك الإرهاق حين تحاول حصرهم ، لقد تزوجت البنات ، أما الأولاد فمن سنين تركوني مع والدتهم ورحلوا إلى المدن ... لقد كرهوا البقاء معنا في أرضنا .. المترامية هناك في الأقاصي ، و عندما أوعزوا لي بأن أنتقل معهم ذات مرة رفضت بشدة ، أنك مثلا لا تفتقد البهجة حين يظل شيء ما يرقص في جوفك مع طلعة الفجر المجيدة و تعانق أرضك .. حين تكتحل عيناك وعينا عجوزك بمرئياتها العظيمة .. العظيمة بلا قيود ، صدقني أنه شي رائع ، ولكنك لا تدرکه ، أقوله لك بدليل أنك لا تملكه بين قبضتيك في أي من الأيام " !! وقال العجوز .. " إن ثمة شعوراً غريباً أتصوره يدفعنى ويهزني أن أطير رغم شيخوختي وأعانق لأرض المترامية أمام عيني كلها ، أنكم لا تملكون هذا الحنين شر الذي لا ينقطع !!"

العجوز

ولفنى الحزن اكثر ، وأحسست أن هذا العجوز يملك ارتباطاً لا يحد بما بعشقه ولا يمكن التنازل عنه. وتوقف تفكيري عندما علا صوته من علي زفير العربة .. - " ماذا تعرفون لا شيء سوى أن تمضغوا بعضكم طوال النهار ..، لقد حفرنا هذا الطريق الي نذرعها الآن.. وعملنا فيها زحفاً على ركبنا، كنا نمزق الصخور الجبلية الواقفة هناك "بالقيادیم"، لقد كان ذلك شاقاً كلية حتى أن عيوننا أضحت كئيبة باردة ترف وترف في قهر، وكنا نتطلع إلى قطرة ماء خلال لذغات شموس الأيام نطفيء بها الظمأ الملتهبة في أعماقنا، وكنا خرج ألسنتنا بعسر ونمسح بها شفاهنا المتيبسة ، و كنا نرنو إلى بعضنا ونبتسم بإشفاق ، لقد ساقنا القدر إلى ذلك . وظلنا نحفر ونعمل دون أن تلتجئ إلى منطقة ظل ، ولقد طلع علينا ، اذكر جيدا ، من احدى كهوف الجبل المظلمة حيوان هائل مريع لم نر شكله  حتى في الحلم.. ولم تلاحظه عيون الأجداد من قبل ، كان مخلوقاً مذهلاً ، ولو أنكم حضرتم ذلك لأنشأتم ، على ما أعتقد، تبولون حتى الموت دون أن تتحركوا خطوة مقابلة ، ولقد قتل ذلك المخلوق بطريقة ما ونقل إلى إيطاليا ، آه.. أحس أن الطريق كما لو أنها قطعة مني .. من قلبي ، فماذا شاهدتم ..

الطريق

وينظر بفخر ، ولم يخامرني شك في أن كلماته قد طغت على كل شيء .
على المرئيات خارج النافذة .. وعلى ضجيج العربة كذلك ..
- " ياخيبة الرجا" .. قال باقتضاب مفرط ، ثم تنفس مستروحا، وعانق الأبعاد بعينين ودودتين ..
- "إنكم تتسكعون باستمرار ، و تهربون بلا وعي ، ولا أدري ماذا سيفعله الله بكم !!"
-"ماذا ستفعلون فقط إذا رأيتم ما رأيناه ، ماذا !"
تتابع حديث العجوز .. ولم يزل الصمت رانيا على الآخرين ، ثم غني بصوت خفيض :
ياما کلينا من لذيذ وطيب
وياما لبسنا من جديد و باد
ورمتنا العربة في شحات ..
كنت حينذاك أحس بأن العجوز لديه الكثير ولكنه لم يفرغه ، وتمنيت أن تطول الطريق وتطول ، كان عجوزاً رائعأً .. وكان صديقي يسخر منه ، انك من خلال حديثه تشعر بشيء إنساني يشدك إليه مع اذنك ، وبينما نزلنا هناك .. لاحت الآثار القديمة ناهضة ، وشعرت أن العجوز مثلها بالضبط ، وقد توكأ على عكازه وانتصب في وهن قليلا .. ثم ضيعه الطريق المغبر .. وظل بصري معلقة به إلى النهاية ، و من بعيد أقبل الأصدقاء بوجوه سمر ودودة متعبة من أثر الأيام التي تأكلهم الطريق المغير .. وظل بصري معلقة به إلى النهاية ، ومن بعيد أقبل الأصدقاء بوجوه سمر ودودة متعبة من أثر الأيام التي تأكلهم .. وانطلقنا معا .
كانت صورة العجوز وأحاديثه باستمرار معي .. ولم أنسها مطلقاً ، كما اجتاحني حنين قوي خلال ذلك ، وحين هبط الليل حالكاً .. لم تكن ثمة نجمة تتألق في صدر السماء ، إلا أن المطر ظل ينهمر دافئا .. يعانق الأرض الطيبة ، وظل صديقي يشخر، حتى الصباح !!



تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -