أخر الاخبار

يوميات رومانية ..للأديب الراحل أحمد أبراهيم الفقيه



يوميات رومانية للأديب الراحل أحمد أبراهيم الفقيه

بوخارست

    غادرت العاصمة الرومانية بوخارست بعد اقامة قصيرة، في مطلع الشهر الماضي، ودرجة الحرارة بها خمس عشرة درجة تحت الصفر، ورجعت هذا الأسبوع لإستئناف عملى بها وقد ارتفعت درجة الحرارة الي أن وصلت خمس عشرة درجة، وأستطيع أن ألحظ الفرق الكبير في نفسي بين هاتين الحالتين من الطقس، قبل أن ألحظه في العالم الخارجي الذي حولي وأشهد معي القارئ على مايحدثه الطقس في مختلف حالاته من تأثير على أمزجتنا وحالاتنا النفسية، وكيف يجعل المدن تتلون في أعيننا بلون الطقس التي تقابلنا به، قد رأيت بوخارست، في شتاء ماتحت الصفر، مدينة معتمة، شديدة البرودة.

ثلج بوخارست

    أخرج إلى شوارعها بجسم مرتعش وأحشاء مقرورة، وخطوات بطينة، وقدمين يخشیان الانزلاق فوق الجليد الملتصق بأرصفتها عبر إضاءة شحيحة خلال نهارها القصير، الذي لايدوم إلا لساعات قصيرة، يهاجمه بعدها ظلام کاسح غاشم، يجعل حالة العماء شاملة ويعطل قوة الكهرباء على الانارة لأن الأضواء وهي تنعكس فوق ثلج الشوارع تتحول إلى شئ يغشى الأبصار ويمنع الرؤية بدلا من أن يعززها، وكان صعبا في مثل هذا الطقس ، أن أرى الصورة الحقيقية للعاصمة الرومانية. أو استمتع بالسير في حدائقها ومنتزاتها وأطوف سعيدا بضفاف بحيراتها البديعة الكثيرة، إلا بعد أن عدت اليها أخيرا، وقد بدأ الشتاء بحمل ثلج وصقيعة وضبابه ويرحل .

تباشير الربيع

    وتأتي تباشير الربيع تحمل معها أنوار الشمس التي تجعل بوخارست مدينة مشرقة، متألقة تزهو بطبيعتها الساحرة و منتزهاتها الشاسعة وبحيراتها التي تتوزع عن بوخارست توزيعا عادلا، فلا يبقي شمال ولا جنوب ولاشرق ولاغرب الأ وله بحيرة خاصة له. وقد أتاح لي الطقس المعتدل الجميل، أن أزور هذه البحيرات جميعها أثناء النهار، وقد أحاطت بها الحدائق الغناء. وارتادها الجمهور الذي كان يختفي داخل المنازل، بما في ذلك نساء رومانيا، اللاتي كان يحجبهن الشتاء داخل الملابس الثقيلة، فظهر بظهور الطقس البديع، الجمال الأخاذ الذي حبتين به ربات الحسن والدلال، وأرى من خلال ذلك كله هذا التعايش الجميل بين الحضارة والعمران، وبين الطبيعة العذراء بغاباتها وأطيارها ومياهها.

ليل بوخارست

    ولم يكن ليل بوخارست أقل تألقا وزهوا من نهارها، حيث أتاح لي الطقس الجميل أن أخرج من سجن الجدران الأربعة الضيقة، إلى جدران أخرى تضم بين جنباتها فضاءات باذخة، شاسعة، هي فضاءات المسارح العريقة التي تتميز بها بوخارست، إذ ذهبت في إحدى هذه الليالي إلى المسرح القومي الذي يقع في قلب العاصمة، لأشهد ليلة ايرلندية، رومانية، أحيتها فرق الموسيقى الشعبية الرومانية بانغام مبهجة مفرحة، راقصة، من الفلكلور الروماني، أعقبتها حصة من الموسيقى الشعبية الأيرلندية قدمها عازف من أساطين الموسيقى في تلك البلاد، بحمل آلة أشبه بالات موسيقى الغرب، إلا أن تلك لها قصبة واحدة، وهذه أربع أو خمس قصبات، وتربة واحدة. ألحقت بها الابتكارات الحديثة جهازا إلكترونيا يضرب الايقاعات، ويساعد هذه الآلة على انتاج نوع من الموسيقى الشعبية المتعة التي يعزفها عازف واحد فتبدو رغم ذلك، كأن جوقا كبيرا هو الذي يعزفها،

ليلة مع المسرح

    وكنت على موعد في ليلة أخرى مع مسرح أكثر ضخامة واتساعا وبذخا، هو دار الأوبرا، التي استضاف فيها الرئيس الروماني، احتفالا موسيقيا لإحياء ذكرى إنشاء المنظمة الفرانكوفونية، شاركت فيه عشر فرق موسيقية تنتمي لدول المنظمة، أتاحت للمشاهدين فرصة أن يروا تنوع الإبداع البشري في مجال الموسيقى، وما يحتويه هذا التراث من عمق وثراء وغنى، ولم تكن الموسيقى العربية غائبة عن هذا الاحتفال، فقد شارك مبدعون من لبنان في تقديم اللون العربي الذي فاز بـإعجاب وتصفيق الحضور

الطقس والحالة النفسية

    يؤكد علماء النفس وجود هذه العلاقة الوثيقة بين حالة الطقس والحالة النفسية للبشر، وكيف أن الجو المعتم الذي لا يسمح بمرور ما يكفي من الضوء للمخ أثناء النهار، يساعد في انتاج حالات التوتر والاكتئاب، غير الجو المشرق المعتدل المضی، شرط ألا تزيد هذه الاضاءة عن حدها وتنقلب إلى قيظ، فيصدق معها عندئذ المثل الذي يقول مازاد عن حده انقلب الي ضده..
ومرحبا بالربيع

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -