أخر الاخبار

دلالة الخوف في قصص "فحيح المرايا"

دلالة الخوف في قصص "فحيح المرايا"
دلالة الخوف في قصص "فحيح المرايا

كتب : نادر السباعي 

عندما نقرأ قصص محمود موعد، يتوهم بعضهم أنها تدور في أجواء دينو بوتزاتي وفرانز كافكا ، وادكار ألن بو .. يظلم الرجل كثيرا إذا قلنا إنه يغرف من أجواء هؤلاء!
يقول تودوروف :( ثمة كتب تعتبر تطويلا لكتب أخرى ، وهي تكتب نتائج العالم التخييلي الممثلة في النص الأول) استكمال تراك النصوص بعضهم أنها تدور في أجواء در وفرانز كافكا ، واذکار الن بود إذا قلنا إنه يغرف من أجواء هؤلاء
يقول تودوروف :( ثمة كتن الكتب أخرى ، وهي تكتب نتائج العالم ال الممثلة في النص الأول).
بهذا المعنى ، يشير تودوروف إلى ضرورة التناص ، والتداخل ، واستكمال تراكمات العالم التخييلي ، ولكن هذا لا يعني تطابق النصوص أو انمحاء بعضها إزاء بعض ، والدراسات الأسلوبية كان لها فضل اكتشاف التمايز وخصوصية الكاتب ، انطلاقا من مقولة بيفو ( الرجل هو الأسلوب ) . ومن يعرف محمود موعد معرفة حقيقية ، لا بد أن يداهمه اليقين أن الرجل لا يقسر قلمه ، ولا يمزج حبر بحبر الآخرين .. والقارىء المتتبع لوقائع قصصه وتفصيلاتها ، يجدها متصلة مع ثقافة عربية محددة ملامح زمان ومكان عربيين ، لا ينفصلان عن حياتنا الراهنة .
عموما ، يمكننا القول أن محمود موعد تصور اغتراب الإنسان العربي في علاقاته الاجتماعية ، والسياسية ، والاقتصادية ، كما تبرز محنة الإنسان الفلسطيني على وجه التحديد ! والاغتراب في الأدب الذي يشعر به الفرد في أشكاله المتنوعة ، ليس مقتصرا على المجتمعات الرأسمالية كما يظن ! وما يخل بتوازن الفرد الداخلي أسباب عديدة، الداخلي ، ترسخت في المحاكم السرية والبيروقراطية ) عند كافكا ، و(السلطة العسكرية) كما هي عند بوتزاتي و(الفقر والتشرد) ، كما هو معروف في حياة ادكار الن بو) .
أما سيلان الدم الفلسطيني كل يوم في مواقع متعددة فليس مسوغا كافيا في توريث الخوف وعدم الاطمئنان كما هو عند محمود موعد ؟

الخطاب المرجعي :

القصة بناء . إنه بناء معماری يشيد بمجموعة من الجمل تبدو للوهلة الأولى جملا متشابهات لافارق بينها. مثلما القصة بناء متكامل أيضا يجب أن تكون القراءة بناء ، لذلك ، هناك نماذج عديدة للقراءة و متفاوتة في طريقة النظر لسيرورة الخلق ..( أن منظور البناء وحده يسمح لنا أن نفهم فهما صحيحا وظيفة النص ..) يمكن للقراءة أذن أن تقودنا إلى وجوه النص التي تحدد البناء الذي ننتجه أثناء القراءة .
تمثل قصة ( فحيح المرايا) ، عينات متنوعة من الفئات الكلامية ، المتراصلة بحسب نظامها في النص . يقول تودوروف :( تسمح الجمل المرجعية فقط بالبناء . ولكن ليست كل جملة هي بالضرورة جملة مرجعية )
يمكننا تصنيف بعض الجمل في قائمة الجمل المرجعية :(أوقعتها في الشرك .. نسجته لها بصبر بناة الأهرام علی السنين .. بصبر القوافل العابرة صحارى العرب ) ص(16)
نلاحظ في الجملتين التاليتين تكرار معنى (الصبر) ، أنه استدعاء ( دلالة الصبر) عند بناة الأهرام، والقوافل العابرة صحارى العرب.
والجمل المرجعية تساهم في نوعية البناء ( لأنها تستدعي حوادث حساسة الى حد ما) والجمل ذات الصفة المرجعية في النص ، تختلف عن الخطاب السردي ، نظرا لأنها تستدعي وقائع العالم وهناك جمل كثيرة في النص لا ينطبق عليها هذا التصنيف ، ومع ذلك فهي ضرورية في عملية البناء .
هناك استدعاءات أخرى في القصة ذاتها : ( فأنا قتلت معها كل الزليخات الخائنات ... انا أبدت الهنود الحمر ... أنا ألقيت القنابل على هيروشيما ... انا سببت المجاعات في افريقية والهند ... انا ارتكبت مجاوز صبرا وشاتيلا ... أنا حاصرت المخيمات ) ، ص(17) في الجملة الأولى تم استدعاء اسم (زلیخا) الذي يقوم بوظيفته الأدائية (كرمز) لخيانة المرأة . وفي الجمل التالية استدعيت رموز عديدة ، ناهيك عن دلالاتها في سياق النص ، مثل : الهنود الحمر . هیروشیما ، مجاعات افريقية . مجازر صبرا وشاتيلا. وحصار المخيمات . كما يمكننا أن نعاين طقس الموت في قصة ( مقبرة الأربعين ) من خلال استدعاء الجملة التالية : ( نصغي الى الشيخ يلقن الميت ما يجب الا ينساه اذا زاره الملكان ناكر ونكير) ص(54) . تستمد هذه الجملة حضورها القوي من مرجعها من المعتقد الإسلامي تحديداً.

المعنى / الرمز :

لا نستطيع استنطاق النص ” الفانتازي ” وسبر حقيقته أو فهم دلالته الا من خلال بنيته الداخلية المحكومة بمنطق خاص . قراءة الرمز قد تختلف من شخص لآخر، وهي من العمليات الضرورية نظرا لاعتباره احدى الأدوات الأساسية في عملية البناء . والقبض على مقصدية النص تعود إلى أسلوب استخدام " الرمز "
ومعرفة المعاني من خلال سياقها والتي يريد توصيلها إلى القاريء .
يمكن تصنيف الرمز الى نموذجين ، الأول (كمسميات) تراثية مثل : زليخة ، يوسف قابيل ، هولاكو ، هتلر ، هذه الأسماء المرموزة تحمل في طياتها (معاني) تاريخية محددة ، تحقق في النص وظيفة حسب سياقها .
أما النموذج الآخر ، فهو من الأشياء (كأدوات) وتتحول الى رموز
تخدم بنيان النص ، مثل : (رنين التلفون، أو المرأة) ، كما في قصة فحيح المرايا، ورمز (المصعد ) كما في قصة أضغاث أحلام. و (دقات الباب) كما في قصة زائر الليل. ولكننا نلاحظ أن الرموز لاتمتلك الرمال المقبرة ، الغرف ، الممرات ... ولو تابعنا رمز (العمارة) في قصة (مقبرة الأربعين) خلال سياق السرد :( فقد ارتفع مكان المقبرة ثلاث عمارات هائلة متماثلة ، شاهقة ، تناطح السماء وتجثم ثقيلة على صدور الموتى ، وبينهم والدى وجدى ، والأربعون شهيدا والمظلومون والأولياء الصالحون) ص(56).
هناك دلالة ما يريد الكاتب توصيلها لا محالة ! المقبرة كمرتع طفولة مكان ذو الفة حيث اللعب والذكريات ، ومكان للمرور كطريق ، ومكان لدفن الموتى حيث الراحة الأبدية ، وخاصة للشهداء والأولياء الصالحين ! والعمارات الحديثة هنا صورة من صور التقدم والتطور نراها كيف تجثم ثقيلة على صدور الموتى ! إذن ، أن رمزي (العمارة / المقبرة) ارتبطا بعلاقة جدلية ذات دلالة ، ولقد أطاحت العمارة بالمقبرة التي تمتلك الرمز الديني ، والرمز الوطني ، والرمز العائلي .

دلالة الخوف:

لا يمكننا تجاهل ظاهرة (الخوف) في معظم قصص المجموعة ! إذن هى السمة الشخصية لجميع الرواة الذين يعانون من التفكك الداخلي ، ربما لأنهم فقدوا قدرتهم على تحقيق التنظيم الذاتي :( يهتز الظلام المشتعل بالخوف والظنون ... يطل الصمت المؤثر على الطرف الآخر من السلك ليختلط بلهاثي الأبح ..) ص (24) يمثل الخوف في قصص محمود موعد(بنية دينامية) في عملية البناء . يحق لنا التساؤل حول نوعية هذا الخوف ، وما هي أسبابه .. وكيف تشكل ؟ .
تدل عوارض هذا الخوف على أنه ليس خوفا طبيعياً كالذي تنشأ بذرته في النفس البشرية في مرحلة الطفولة ! ربما هو (فوبيا ابداعية) ، وحتى نفهمه ، علينا أن نتعرض لظاهرة أخرى مناقضة له في طبيعة التكون ، وهی ظاهرة (العنف) . والطبيعة البشرية معقدة ولا يمكن أن تنشأ الظواهر معزولة أبدا ، لأن ثمة علاقة سببية دائما.
في القراءة البنائية يجب البحث عن أسباب الحادثة، وكما لاحظ أرسطو(أن الحادثة أو السبب، تعتبر نتيجة اما لسمة شخصية واما لقانون غیر شخصی) ، وهناك أمثلة عديدة لتأويل تلك العلاقة في النص ، كما هو حال الأقوى الذي يخضع الأدنى والأضعف :( فجأة ، شعرت بشيء معدنی قاس ، بارد .. يلتصق برأسي بقوة )ص(22)
صحيح، ما يقوله تودوروف :(السمة الشخصية هي سبب الفعل) ولكننا نريد معاينة حجم الرعب والهول الذي يتلبس الشخصيات :( وكان الصمت والرعب قد حاصرا الجميع ... لقد أصبحوا أكياسا معبأة بالرعب..) ص(46).
وغايتنا تدور حول كيفية تكون سماتها الشخصية والبحث عن منشأ رعبها الكابوسی .. سؤالنا هو اليس هناك طرف آخر يعتبر صانعا للكوابيس والأوهام ؟ | (مرجعية حساسة)، كما هو حال رمز(الشهيد ، المخيم، العرس الفلسطيني). نجد حتى عبارة (فجأة) التي تكررت تسع مرات في قصة (أضغاث أحلام) أصبحت تحيل القاريء الى ترقب ومعنى ما ، سيأتي لا محالة بعدها ! (فجأة أصحو على رنين الهاتف رنين خاطف كصعقة كهربائية )ص(23) .
ناهيك عن رموز الأماكن المغلقة والمفتوحة ، مثل : البحر ،
أن بناء حوادث القصة يسمح لنا بإجراء عمل تأويلى ، يكفي أن يضعنا المؤلف ضمن منطق تأويل الحوادث التي يستدعيها :(فجأة .. نحن في قاعة المحكمة . قاعة مهيبة . قاتمة . صامتة . وأنا في القفص . عيون من كل الزوايا تحدق في.. تعرینی بلا هوادة) ص (25)
والوظيفة التفسيرية تمنحنا فرصة افتراض ، (سلطة) ما تمارس عنفها بطريقة خاصة ، كما يمكننا الاصطلاح على تسميتها ب(العنف الصامت)!، وأي محكمة تنطق بحكم (باسم الشعب.. حكمت عليك المحكمة..بالموت صبرا..) ص(24) سوی محكمة النفس البشرية اليائسة من كل شيء!؟.
إذن ، (العنف الصامت) ، عنف السلطات الخفي ، استبد بشخصيات محمود موعد ، وأورثها حالة من القلق ، والارتباك الداخلى ، وفقدان الانتظام !!
غير أن معظم الشخصيات نجدها فلسطينية الانتماء ، كما لحضور المخيمات سمة بارزة في النص :(وغادرت المخيم جنوب لبنان .. وهناك على الحد استشهدت..) ص(22).
ونلاحظ (الهم الفلسطيني / الخوف الفلسطيني ) منسوج بإتقان ، ودقة هادئة . ربما يوجد من يتساءل ، وخاصة ممن تعودت ذائقته على أدب ( الفلسطينيات الشعارية) ، كتابات ذات نبرة نضالية مرتفعة ، تقول ان الفلسطيني المناضل لا يخاف !
أن نبرة الهجاء الخافت في أمثال هذه القصص دليل بارز على تطور تقنيات القصة الفلسطينية ونضجها، وفي الوقت نفسه تعبر عن شكل المرحلة التي يعيشها الفلسطيني في (مرحلة الحصار) ، ولكن ألا يصلح هنا الخوف الفلسطيني كدلالة لأن يكون نوعا من أنواع الاحتجاج ؟ ومن المعروف أن الصمت في أحيان كثيرة لغة بليغة وهو أمضى من الكلام !







تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -