أخر الاخبار

شيخ محلة ..للكاتب على مصطفى المصراتي

شيخ محلة ..للأديب على مصطفى المصراتي
شيخ محلة ..للكاتب على مصطفى المصراتي

المزراب

كان عبد الله المزراب شیخ محلة لضاحية من أطراف المدينة على بعد مرحلة أو مرحلتين من سفر القوافل . وكان كل همه في بؤرة شعوره وأعماق حسه ، والمؤثر في سلوكه وتصرفاته هو الحفاظ على وظيفته وتمركزه في مشيخة المحلة .. كرسي المشيخة الذي ورثه عن أجداده عبر أجيال ودول لا ينازعه منازع.. فهو في قريته أكبرهم سنا وأقدمهم عهدا وهم طيبون بسطاء .. مازالت الحياة الفطرية تسيطر عليهم في عاداتهم وتقاليدهم.
نومهم الباكر وصحوهم الباكر.. ولا يبتون في رأي أو أمر إلا بموافقة شیخ المحلة فما يعن من أمور قريتهم وله استقلاله الذاتي في قريته من شؤون المتصرفية والقائم مقام والإدارة .
وأيضا لا يربطها بالمدينة إلا يوم السوق حيث ينزل هؤلاء بما جادت به الأرض من عزقهم وحصادهم ولا يوجد في تلك الضاحية من يقرأ ويكتب إلا الشيخ عبد الله المزراب الذي كان في عصره على ما يحكي ويروي من أبناء المدرسة الرشدية وقالوا أنه يجيد الخط وعرف كلمات من اللغة الفصحى .. وكان يرى أعلى منزلة في العالم هو کرسى مشيخة المحلة ، وكان يرى الاهتمام بقريته ومعرفة ما يلزمها وما لا يلزمها من الأمور يعرف مواليدها ووفياتها ..والزواج والطلاق في رأسه دفتر القرية .. وفي صدره خفايا من حكاياتهم وأسرارهم وكم تجز من صوف وتستهلك من تبن.. وما جد فيها وما طرأ عليها من غریب وطارق.. وكان هم عبد الله المزراب يتمثل في أمرين ..ألا يدخل غريب طاريء .. والحفاظ على كرسي المشيخة في المحلة .. وكم فض في مربوعته من شجار وخلاف قبل أن يذهبوا بالخلاف إلى محاكم المدينة والثرثارين من المحامين وسماسرة المحاكم.
وهو قد وفر على الحكومة كثيراً من الأمور والأموال وطالما قال لمندوب الحكومة ومهندس الإدارة
- ليس ولا بد هذا المشروع

الضاحية

وهو شيخ المحلة في نظر قريتها شيخ مشايخ وإن كانت قراءته أقرب إلى التهجية والتهتهة وهو الذي يرسل الجوابات لهم.. وعند قدومها يقرأها. وبهذا يعرف عناوين الغائبين من أبناء هذه الضاحية التي يعتز كل الاعتزاز بالمشيخة عليهم.
ويختم كل رسالة بالعبارة التي حفظها عن أبيه وجده
- ونحن في غاية المراد من رب العباد والسلام من كاتب الحروف العبد المعروف المتوكل على الوهاب عبد الله المزراب شیخ المحلة . وعيناه تفحصان مكان ضاحيته على أساس أنها منطقة نفوذه تمتد من وراء الطابية من ناحية الشمال ومن عند الشجيرات اليمني، ومن ناحية طرف البئر المهجور ، واستطاع شیخ المحلة أن يتغلب على خصمه .. ووسع دائرة نفوذه ما بين الطابية والبئر المهجور.. وأثبت الشيخ عبد الله المزراب بشهود كبار السن وعقلاء القوم والمسافرين القدامى أن منطقة المحلة ومشيخته كانت تمتد إلى ما وراء البئر المهجور .. وكان جده ينام في القيلولة تحت شجرة التوت .. لكن الشجرة التوت احتطبها أهل الزراعة… والزيتونة هجرت رغم شموخها من عهد الرومان.. كانت غطتها الأتربة فما عادت شجرة توت ولا زيتون …ولا فائدة من هذا يا شيخ مزراب .
وهو عادة يصحو باكراً قبل أن يؤذن الفجر أو ينهق حمار يهارش حمارة

 المشيخة

وهو حريص على كرسي المشيخة .. وإن كان هو ليس کرسية بالمعنى المألوف بل هو مجرد صندوق قديم جلس عليه وغطاه بنطع من صوف تلبد من كثرة الجلوس والغطوس ولا يستطيع أحد أن يتغلب عليه في لعبة أم السبعة وما يتفرع منها من ألعاب التسلية وقتل الوقت وتزجية الفراغ.
وبيته مفتوح.. وهو کريم ويكون أكثر كرما وهشاشة وبشاشة إذا قدم للضاحية أو المحلة إنسان من طرف الإدارة وجهات الحكومة .. يبادر مسرعاً بالترحاب والاهتمام يلقاه بكرم ويشيعه بكرم إلى ما وراء التوتة والبئر المهجور ويلهج بأبيات مكسرة وحكم مبعثرة ونكرم ضيفنا ما دام فينا : وتتبعه الكرامة حيث سار ويهز رأسه وهو يقول :
- يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا ..نحن الضيوف وأنت رب المنزل. ولا بد لأي وافد وقادم من طرف الجهات الرسمية من المرور بالشيخ عبد الله المزراب كيف لا...

 التقاعد

والشيخ المزراب هو مفتاح لا مجرد باب وسيجد في مربوعته الفراش الوثير.. ولعله البيت الوحيد في تلك الناحية الذي به کرسي محترم له اعتبار وصورة جناب الحاكم والمتصرف معلقة على الحائط في مكان بارز ترمق الجلوس ويرمقها الجلوس وأهم ما يهتم به من أحوال الإدارة والحكومة وشؤون الدنيا فيما يتعلق ببقائه فهو رغم شيخوخته لا يحب أن يسمع حكاية إحالته على التقاعد.. وحكاية المعاش كيف.. إحالة وتقاعد.. كيف وهو يستطيع أن بعمل وعيونه مازالت تنظر وبلا شباحات ولا منظار وأذنه تسمع ويده تکتب وتمضي وتمسك بالطابع والخاتم ، ويقوم ويمشي ، ويصحو قبل أن يصحوا البيت يقال له في سطر أو كلمة.
- أقعد في البيت أحلتك على المعاش، وقعدتك على التقاعد..
ولكن طمأنوه بأنه ليس مثل الموظفين العاديين فهو في مركز مستشار والمستشار لا سن له للتقاعد.. والمستشار يؤدي عمله للحكام والحكومة ولو بلغ أرذل العمر
وأخبره أحد الموظفين القدامى أنه قرأ أن سكرتير الملكة فكتوريا مكث ستين عاما في قصر يروح صباحأ .. ويغدو مساء كالثور بصحة متوفرة وراتب مضمون والباشا المقري في عهد الحماية الفرنسية مكث أربعين عاما في كرسی الوزارة .. واطمأن لهذه الأخبار الهامة .
وذات مرة في مربوعته على أزيز الموقد الفحمي سمع شيخ المحلة أنهم ينظمون شؤون مشايخ المحلات قال :
- هل يثبتون لهم راتبا ويزيدون من احترامهم !
وقالوا له :
- إنهم سيجرون له امتحانا وضحك مستغربا مستهجنا وهو يعدل طاقيته فوق رأسها
- بعد ما شاب دخلوه الكتاب
ثم قال :
- أي امتحان لمشايخ المحلات .. المفروض لكل ناحية امتحان يختلف لأن طبيعة كل منطقة في المحلات تختلف عن الأخرى هل معقول ناحية لا يوجد بها لابس طربوش واحد تكون في الامتحان مثل منطقة كلها مطربشة .
- هل معقول منطقة عندها بيع الحليب عيب ويعيروا به ..مثل منطقة تعيش على بيع الحليب. هل معقول امتحان شیخ محلة تنام بعد صلاة العشاء، مثل محلة وقرية تسهر إلى منتصف الليل. هل معقول قرية ليس بها حاج واحد إلا واحد حج في شلامة أمه ويقولون حاج. مثل قرية كلها حجاج صلاة الفجر مثل صلاة الجمعة زحمة. هل معقول امتحان لواحد عمره فوق الثمانين مثل عبد الله المزراب مثل امتحان واحد يرضع في صبعه
وهو يعدد المفارقات بين مشايخ مناطق الباب الجديد و دار الغولة والجمامجي وفندق الهرجة ويضع كفه الرجحان لصفه ونفسه.
وأنت لماذا تخاف من الامتحان على قاعدة يكرم المرء أو يهان وسمع حكايات العلاقات العامة والعلاقات الخاصة والثقافة العامة .. والمعلومات العامة
- وهي عامة .. وخاصة كيف !!
- معلومات عامة معقول أما معلومات خاصة كيف :
أما أن تكون علاقات عائلية ما دخلي فيها هل أنا كلوفي
- لا يا شيخ.. لازم تتطور
وسأل الشيخ المزراب مندوب الحكومة قائلا :
- نتطور كيف !؟
- معلومات عامة وثقافة عامة أعني سعة معلومات
- المهم سعة الصدور، لا سعة السطور
إيه يا شیخ مزراب . وضحك الجميع على هذا التجلي والمرح الذي أصيب هذا المساء شيخ المحلة .. واعتراضه واحتجاجه على شيئين امتحان شيخ المحلة وحكاية المعلومات الخاصة والمعلومات العامة وقال :
- كيف تمتحنوني وأنا أعرف القرية من ناحية الأرض شبراً .. شبراً ومن ناحية الناس فردا فردا
ومن ناحية الحاجة إيش تحتاج ..الامتحان يا ولاد وضحك.. امتحان شيخ المحلة يمتحنه واحد لهدت في عرس جده .. اي والله

 النعناع

وكان يهتم بزراعة النعناع. وعمل له دعاية من هدرزاته وأسماره وسهرياته واكتشف له فوائد لم يتعرف عليها علماء النبات وخبراء الطب والصيادلة، ويری أن أهم نعناع في البلد هو ما في حوازته بفضل عنايته وسقايته .. وله فوائد لتقوية القلب وتسليك الزور وتهدئة الأعصاب وتقوية الباه، وق العبارة الأخيرة همسا ربما يسمعها ولده مراد الذي له أحفاد وخير هدية يقدمها لأصحابه وزواره شتلة نعناع .. أجود نعانيع أو نعنات الدنيا |
(هل يذكر أم يؤنث النعناع .. ونعانعه ، سؤال يوجه للمجامع اللغوية)
ودائما يقول لأبنائه وأحفاده لا بد أن تحتفظوا بكرسي المشيخة .. والكرسي كان يظنه الصغار في بيته كرسي القعود ودائما يحافظون عليه خوفا من إطارة رجله أو مسمار من جانبه - ولكن تبين أنه يقصد بالكرسي المركز الوظيفي .. شغل مع الحكومة والإدارة شیخ محلة وكان من عادته حفاظا على وقار المنصب وهيبة السلطة والحكومة ألا يكلم أحدا إلا وهو بكامل هيبته وموفور قیافته لا يمكن أن يكون حاسر الرأس فضلا عن حافي القدمين.. أو وهو يأكل مثل حمير الفندق .. أو وهو واضع رجلا على رجل أو وهو يدخن .. أو كما يصنع بعض المشايخ فاقدي الذوق والإحساس يكلمك وهو ينفنف النفة ومضغ - حاشاك - المضغة .
وكان بداعبه ويثير حفيظته أحد الباعة عندما يمر بحماره أو عربته مناديا النعناع .. النعناع ..
ويخرج لاعنا كيف تجرأ ويقتحم المحلة ببضاعته وهو موجود في حوازنه أجود أنواع النعناع في الدنيا .

الخاتم

واشترى أحد الشيوخ کتاب الآداب السلطانية للطقطي وكان عمك عبد الله المزراب شیخ المحلة يهز رأسه في مواطن ويطأطئ رأسه في بصمت بإعجاب في لحظات وهو يستمع لآداب السلوك في الإدارة ومعاملات الناس.. وما هو واجب الوزير والمدير وشؤون الإدارة والدولة
وقال له أحدهم:
يا شیخ مزراب هذه أشياء لها علاقة بالمشيخة ولكن أفحمه عندما قال له جوابا مقنعا
العلم بالشيء ولا الجهل له .. ويوجد في النهر ما لا يوجد في البحر. وذات مرة ضاع من مشيخة المحلة .. الخاتم.. الطابع .. وقالوا له يا شيخ عبد الله اعمل إعلانا في الجريدة أنه ضاع ختمك ومكتوب ومنقوش عليه التوكل على الوهاب الشيخ عبد الله المزراب .. أكتب ضاع ختمي وسأعمل سواه .. لكن شيخ المحلة رأى الإعلان إهانة لكرامته.
قالوا له نعمل براح في السوق يعلن عن ضياع ختم وطابع المحلة. وخشي أن يشمت به آخرون ويزعمون أنه لا يعرف القراءة والكتابة ويؤكد هذا ضياع ختمه وهو يعرف خبشة اسمه إذ جعلها مثل طرة الطغرائي
ولكن الختم والطابع ضياعه خطر مثل خطورة وخسارة ضياع جواز السفر ودفتر الصكوك وتذكرة السفر لمسافر لا يملك ما يسد به رمقه واوده ويا موصل حليمة لدارها.
وهو من أنواع الفقدان المزعجة المربكة .
فقدان نظارة للقراءة .. فقدان نظارة للرؤية في بلاد لا تعرف شوارعها وأرقام سياراتها العامة ضياع النظارة يجعلك في حيص وبيص.
- لا بل في لاص ليص وسأل
وسأل
- ما هو اللاص ليص !
وأجاب
-إذا شرحتم حيص بيص اشرح لاص ليص
ويضحك شيخ المحلة في طهارة وبراءة رغم کهولته وتثاقل السنين عليه ..فضياع الختم خطر قد يزور علیه ورقة ضد الحاكم والمتصرف.. أو يبصمون به ورقة شماتة ونكاية .. وظل الشيخ عبد الله المزراب يسأل وهو يحوقل ويفكر كيف ضاع الختم والطابع.
- هل سقط في بئر عند الساقية !
أو في جوف حمار أو عند الطابية وهو يقطع عرقا من شتلة النعناع أو في مجرى الماء عندما كان يتوضأ .. هل عندما خلع عباءته واشتري عباءة جديدة في سوق الحرامات
هل سرقة أحد الناس وهو لا يدري وكثيرا ما يعانقه المعارف ولهذا ظل يستعرض مشوار بومه، وهل أخذه أحد لیزور به طلبا عند الحاكم وعرض حال وتقلب في الفراش أرقا.. وخشى أن يطير الخاتم فتطير المشيخة.

السيرك

وجاء موظف من طرف الادارة يقيس الأرض .. وارتعب الشيخ عبد الله المزراب ، وتوجس مخافة أن يكون هناك ما يطير منه الکرسی.. كرسي المشيخة .. لكنه اطمأن لأنهم قاسوا الأرض لتوسيع الطريق .. ولكن الشيخ سأل وما الذي يترتب على توسيع الطريق .. وهل يؤخذ من جناني طرفا..أو من طرف حوازة ورثة زوجته:
واطمأن على أن مشروع الحكومة دائما يطول ولم يأتوا لقياس الأرض وظل الطريق ضيقا ، وحمد الله على ضيق الطريق وإلا أخذوا من أرضه طرفا .
وجاءه ذات مرة من يسأله إقامة "سرك" للمتفرجين وملاعب لجوقة أجنبية متجولة ، واختاروا الضاحية التي هي منطقة نفوذ الشيخ عبدالله المزراب ولأول مرة في حياته دخل الشيخ المزراب ليتفرج على أسد مدرب وجوقة راقصة أجنبية تلعب الحبل، ويعجب لإنسان يعيش على حيوانات .. مفترسة .. تطعمه ويطعمها ..
ويقول:
۔ صحیح با ولاد الدنيا غابة ..
والإنسان حيوان مدرب
ورأى وشاهد بعينه متلاعبات.. وحوريات سابحات في الهواء .. متعلقات في خيوط السيرك وغض بصره حياء .. عيب يتنططن أمامه هؤلاء الروميات الطليانيات الميترات .. وخرج قبل تتمة سهرة السيرك.. ثم ان العشاء اذن منذ وقت.. وما زال عليه الوضوء .. ولم يدخل السيرك مرة أخرى..وسمح لهم الإقامة في الضاحية خشي مدير السيرك أن يطرده وقدم له رشوة في شكل هدية تذاكر دخول مجانية، ولكن شيخ المحلة رفضها بأباء .. وفرح متعهد السيرك وظن أنه رفض التذاكر فقط لكنه قال
- خللى أهل المحلة يتفرجوا عليهم بلاش وبلعها الرومي متعهد السيرك
ورأى حلا للموضوع أن يسمح للنساء فقط تبرعا منه بالدخول مجانا لكن الرومي هو الرابح ، لأن النسوة لم يسمح لهن بدخول السيرك ولا حتى الاقتراب منه.

المدرسة

وجاء المهندس وتزاحم الأطفال حول هؤلاء وانتشر الخبر، هناك من يقوم بقياس الأرض وهرع شيخ المحلة .
- قداش كلفتنا الحكومة من خروف.. اش ناوية الحكومة .. لم تخبرني.. شیخ المحلة آخر من يعلم ولبس جرده .. الذي يلبسه في المناسبات والرسميات والبرنوس.
وقال له ولده مراد
- ليش ولا بد البرنوس .. هذا ليس القائم مقام ولا المتصرف إنما هو رومي ومعاه رومية وواحد مستوظف صغير
- صغير يلعب
- لا صغير في الرتبة أقل من رتبة شيخ المحلة إلبس الجرد وخلي البرنوس المناسبة أخرى.
وفعلا لبس الجرد، وانتعل البلغة
وذهب يستطلع ماذا حدث من يوم ما عملوا الطريق العام وكل يوم شيء
- جدید
- ماذا
- بناء
- قالوا مدرسة
وهنا انتفض كأن عقربا لدغته .. أو سمع خبرا غريبا ما كان ينتظره.. وأراد شيخ المحلة التأكد من سماع الكلمة .. وكرر السؤال ليكون الجواب أوضح في أذنه المتصنية رغم كبر سنه وثقل شيخوخته لازال يحتفظ بسمع لابأس به .. ونظر حاد قوي وأن نظره أقوى من سمعه وذاكرته في مصلحته حادة.
- مدرسة .. يبنوا هنا مدرسة يا شيخ المحلة
- ومن سمح لهم .. من سمح لكم هنا ببناء مدرسة . سكولا ! ما هو عندنا كتاب من الكتاتيب.
واستدعى ولده ليستوضح منه أكثر فلا يصح أن يسأل الناس كثيرا ليتبين عدم فهمه .. وشيخ المحلة أولى بمعرفة ضاحيته - وهو أي الابن رغم شینه أيضا فإنه مازال لم يكبر في نظر أبيه .. وأسلوب مخاطبته له.. ورغم اتساع کم قیصه وكبر عمامته فوق رأسه وتزوج أكثر من مرة ولهذا الابن أحفاد إلا أنه تعود تأديا لا يمكن أن يرفع عينه أو صوته في مجلس والده.. في وجه والده الشيخ عبد الله المزراب .. ولا يضحك أمامه ولو كان الموقف يضحك حتى الحيوان .. ويجلس كالقط الصغير مؤدبا رباه صاحبه على التأدب : ويکش عليه يجلس دائما كطفل لا يسبس "شرب الدخان" ولا يقول كلمة عيب
وقال لابنه مراد الذي هو جد أيضا
- يا ولد مراد من نزل عندك
"وكلمة يا ولد يفرح بها مراد وتشعره بأنه مازال صغيرا ويفرح بها ايضا الأب العنود لأنه يمارس صولجان السلطة في بيته"
أجاب
- ضيوف با بوي .
- عارفين ضيوف طالع كريم لأبوك ، لكن من هم ضيوفك لازم أعرفهم
- جماعة المدرسة
- مدرسة .. مدرسة
- الذين يخططون لبناء مدرسة في الناحية
- ومن قال لك تختار لها المكان هنا
وكان مراد يظن أن والده شيخ المحلة سيفرح بهذا لكن فوجيء بغضب والده .. لكنه تماسك ليرى سبب غضبه ولوح شیخ المحلة بعصاه ، أمشوا هناك .. وراء الطاحونة أو وراء البير المهجورة أو وراء الزيتونة أو التوتة عند الشيخ المسطح.. أما هنا وضرب الأرض بعكازه علامة التأكيد والوعيد في منطقتي ومشيختي لا يصح أن يكون ..
ومراد مغلوب على أمره لا يستطيع أن يناقش والده الشيخ، لكنه قرر أن يرسل إليه جماعة من أنداده أو قرابة الأنداد ليستوضح لأنه رحب بالمدرسة وفرح بها، ولأول مرة تبنى مدرسة في الضاحية ولا يوجد من يفك الخط سوى الشيخ عبد الله المزراب بل أن مراد إذا ضاع ختمه فلا يستطيع أن يبصم ومهر البصمات مضي.
ولكن والده الشيخ حکیم ورأسه مليء بالحكمة والنفة وهو بعيد النظر حسا ومعنى لا بد من ورائهما سر كل شيء بالعلم با شیخ مزراب این عایش!؟
-لا.. هذا شيء خطير. اللعب بعشانا
- كيف يا شیخ مزراب ومن الذي قرب لعشاك أو لغداك!
- مستقبل الكرسي في المشيخة
- کیف يا شیخ نورنا الله بنورك ويطول عمرك ويرد لك الخاتم والطابع الذي ضاع منك
- اسمع يا ولدي إن كان يريدوا يعملوا مدرسة يعملوها في البر الثاني وراء الزيتونات و إلا التوتات وعند البير المهجور .. أنا مستعد نعطيهم طرف أرض في الحى الثاني عندي شريكة أرض في الحي الثاني عندي شريكة أرض هناك نساعدهم بقطعة أرض يعملوا عليها مدرسة وإلا ملعب
- وكيف المدرسة با شیخ المحلة تباعدها عن محلتك
- تسمح نشرحلك
- هذا موضوع ما هو محتاج لشرح
 - هذه مدرسة للأطفال تعلم القراية والكتابة
- وتفتح العيون
- ايه.. وتنشر العلم
- ايه .. أنا الشيخ المزراب دوبت ثلاث دول تركيا والطليان وها هو الانجليز.. هذا الأنكليزي اسماه .. بلاكلي .. والتفت لولده مراد سائلا
- الرومي الأصفر المشفط شنو سماه بلاكلي
- و ما دخل الخطر یا شیخ مزراب
وأخذ يشرح وهو في التسعين من عمره .. ( مع مغالطة لا بأس بها بضع سنوات) وله أكثر من نصف قرن في كرسي المشيخة بالمحلة
لكن المشيخة والمحلة ترید مدرسة تعلم الصغار وقال عبد الله المزراب:
- ومن هنا يكبروا الصغار ويقروا ويطيروا مشيخة عمك المزراب والكرسي بطلع من يدي.
وحاول إقناعهم بأن المدرسة لن تكون في حومته وضاحيته خون کرسیه. بل أخذ يبحث عمن أشار إليهم ببناء المدرسية في حيه وضاحت - لا وأرسل إليه المهندس والمخطط ونكاية فيهم وردا على معاكستهم ها هو بدوره يرسلهم له ويساعدهم ليعملوا المدرسة عندهم هناك لا عنده
ها هو ينتقم من خصمه الشيخ الغولاني ويرسلهم ليغرسوا لهم مدرسة في قريتهم ، وفي تلك الليلة أكل الشيخ عبد الله المزراب دجاجتين ونادى على أم مراد وقال لها :
- . اغسلى رجلى بالماء الساخن
وهي علامة على الاستعداد لصبيحة طيبة يغتسل فيها .
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -