أخر الاخبار

(العبور الى الحب والخوف من الحرية) للناقد الراحل سليمان كشلاف

 (العبور الى الحب والخوف من الحرية) للناقد الراحل سليمان كشلاف*

نفوس حائرة

    قبل أن يراودني الخاطر للكتابة عن هذه المجموعة القصصية، كنت أعيد قراءة مجموعة "نفوس حائرة" (1) ، محاولا أن أجد ملامح وظلال ثنائية (المرأة / الرجل) أو(الحياة / الموت) في الجانب الوجداني للإنسان الليې خلال أكثر من ربع قرن من الزمان ، وما يمكن أن نطلق عليه معنى مجرداً، هو مصطلح (الحب / الموت) ليعطي دلالة على امتزاج الحب بالموت عند الإنسان الليبي (الرجل / المرأة) ، سواء أكان الحب وجدانياً او حسياً، وسواء أكان | الموت معنوياً أو مادياً .
    ومع أنني سأخص في حديثي عن هذه المجموعة أربع قصص فقط من مجموع "9 قصص قصيرة"(2) هي "لا شيء"، تألیف: "أسماء الطرابلسي"، و"القرار الأخير" تالیف: "نادرة عويتي"، و"الصراخ"، | تأليف: "شربفة القيادي"، و "رحيل نحو الخلاص"، تألیف: "زاهية محمد علي"، إلا أنني أستطيع التأكيد على أنها نماذج تتمثل فيها مجموعة عوامل تساعد على إبراز تلك الظاهرة، ثنائية (الحب / الموت).
    والقصص الأربع يدور محورها حول الحب، وجدانياً أو حسياً،والقصص الأربع يتوفر فيها الموت، معنوياً أو مادياً. وهي إلى جانب ذلك مروية في أغلبها عن طريق فتاة. وهي في النهاية مكتوبة باقلام فتيات، وقد تعودنا أن نقرا للرجل دائما في مثل هذه الأمور، وهذه فرصة نقرأ فيها لأديباتنا ونسمع أصواتهن وهن يكتبن ويعرضن أفكارهن بصوت عالِ.

مستويات التعبير

    تختلف مستويات التعبير وطرح الأفكار في القصص الأربع، وإن كانت تنطلق في أحيان كثيرة من أسس واحدة ذات ركائز وقوالب ثابتة، حتى ولو اختلفت زاوية الرؤية إليها، ولا أرى ذلك غريباً، أن تنطلق أصواتهن بنفس الصيغة، فهن متقاربات في السن، إن لم يكن من أبناء جیل واحد، أتيحت له الفرصة في أن باخذ حقه في التعليم وفي الحياة العصرية، - بكل ما تعنيه من تفتح على الدنيا وعلى وسائط الحضارة، السمعية والبصرية، وأن يعيش حركة التطور الاجتماعي السريعة خلال السنوات العشر الأخيرة، تصطدم فيها أفكاره بثوابت اجتماعية مقيدة، ترافقها رغبة جامحة في التغيير والتغير، تصل أحيانا إلى الصدام مع تلك الثوابت، ليظهر الفارق بين ما يكتبن، وبين ما كتب من سبقهن من أدبيات، ابتداء من "زعيمة الباروني"، في "القصص القومي"(3) و "مرضية النعاس"، في "غزالة"(4) ، وأخيراً" لطفية القبائلي"، في "أمان معلبة"(5) ومع من ظهر واختفى خلال تلك الفترة الزمنية التي تمتد لأكثر من ربع قرن.

أربعة قصص

    في هذه القصص الأربع تلمح منذ البداية نقاط مشتركة، ربما تعطينا تصورا لطبيعة تفكير الفتاة اللبية في إحساسها بالثوابت الاجتماعية، وبحثها عن الحلول التي تكفل لها العيش في أمن وكرامة داخل مجتمع جديد.
    فالفتيات في القسم الأربع بدون اسماء، و لذلك سنطلق على بطلات القصص أسماء الكاتبات أنفسهن، والواحدة منهن لذلك لا تمثل حالة خاصة لكنها تعطي صفة العموم، أي إنها شريحة لقطاع كبير من الفتيات داخل المجتمع. کما أن الفتاة دائما في الطرف المستلب، الأضعف، الخاضع أكثر من الشاب لضغوط (الثوابت الاجتماعية) وفيما عدا قصة (رحيل نحو الخلاص) التي صيغت في قالب أسطوري يعكس مضموناً معاصراً، نجد أن الفتيات الثلاث في بقية القصص يتمتعن بمستوى تعليمي جيد (إحداهن في الجامعة، والأخرى في المرحلة الثانوية، والثالثة لا تقل عنها، رغم أنه لا يوجد تحديد واضح لها) وهن - تأسيسا على ذلك- . في نفس العمر تقريبا، وربما كان الفارق عاماً أو عامين، أكثر أو أقل.
    فما الذي يمكن لنا أن نخرج به من خلال هذه القصص الأربع؟

أسماء الطرابلسي

    تحاول (أسماء الطرابلسي) كشف الحب الذي يربط بين قلبين، المتواري عن الأنظار، دون أن يقول الواحد منهما للأخر إنه يحبه، وحتى دون أن يحسن الواحد بان الآخر يحبه ويقف منه نفس الموقف المتردد المتشكك، في سلامة الخطوة التي يخطوها.
الموقف محدد وواضح لنا. الفتاة والفتى يحبان بعضهما، ولا يعلم كل منهما بحب الأخر له، ولا تجد القناة الجراة للقيام بالمبادرة في الإعلان عن حبها خشية رد الفعل لدى الفتى، ولوم نفسها لها فيما بعد، رغم أن جوهر تفكير الإثنين واحد،
حتى أنه يصل إلى درجة الذوبان والتوحد ليشعرنا بتناغم ما بين الواقع والحلم

"- صباح الخير . .
- کم احب عينيك المشعتين کنجمتي ليل ربيعي ... وابتسامتك المضيئة في يومي الكئيب. ."
-أهلاً
- كم أحب حزنك المتربع في حدقتي "
- کنت ا... ر... ي... د. وأن أقول بأنني أحبك؟ .. ."
-.........
-أخاف لو ترفضني ....
-............
- واتمناك !...
-........
- سانتظرك!.. 
-........
- وأحبك... ا.
-..........
- وأنا أيضا!...."
- كنت اريد .
- ترید ماذا؟
-لا شيء... لا شيء!"
(6)

    هذا التوحد صنع من الشخصيتين شخصية واحدة، تسأل وتجیب، توحد في الفكرة لحدث واحد، وموقف واحد، بغض النظر عن خصائص كل شخصية بواقعها وظروفها وذاتيتها، كأنه حلم ،يفيقان منه عندما تنتقل خطواتها على أرض الواقع، ليكون تفكيرهما وتصرفهما تحت ضغط ما يمليه هذا الواقع عليهما

نادرة عويتي

    تعود تلك الأحلام التي تحلق معها بطلة "نادرة عويتي" لتصطدم بالواقع من جديد، ، فإن، تشكل الفتاة صورة فتى أحلامها وأن تجده شيء، وأن تبرمج حياتها معه وفقاً لتصوراتها و(سيناريو) مستقبلها فشيء آخر. إننا هنا في مواجهة حائرة بين تلك الصورة وهذا الواقع، فالصورة " أنه الحب والقبول والاقتناع برجل طالما حلمت أن ألقاه، رجل أجد معه قرار الزواج قراراً، عادلاً مرضياً لثبوت أرقى وثائقه، بعد أن غابت جميع الوثائق من مشاريع زواج طالما | حاصرتني من هنا وهناك.."(7)
    وفي مواجهة هذه الصورة الحلوة لوجه الحب المضيء، لنهاية رحلة الأحلام، مع أول خطأ يصدر من أحد الطرفين، أو مع أول انطباع بسوء تقدير الموقف، أو تحميل ما هو كائن ليظهر ما نتمنى أن يكون تسترجع الذاكرة مخزونها، وتشتد قبضة الأرض على الجذور حتى ليتمايل الجذع والأغصان مع أول هبة ريح "استحضرت هذه الذاكرة صورة قديمة لأسرة كانت تجاورنا قبل أكثر من خمس عشرة سنة. لقد قاسمت ابنة هذه الأسرة (أمال) حلواها ولعبها وحنان أمها الدافق ، فكنت أمضي في منزلهم ساعات طوال، وهي بالمثل تأتينا لتلعب معنا"
    في هذا البيت بدأت الخلافات تدب بين الزوج والزوجة، كانت هذه الزوجة الرقيقة الجميلة تحلها دائما بصبر وهمس أحيانا، وبالترجي احيانا اخرى.
إلى أن كان يوم جرى به خلاف حاد بينهما لا زلت أذكر تفاصيله تماما كما جرى:

- مابك يا مصطفى تأخرت أكثر من ثلاث ساعات...؟
-نعم ….. هكذا .
-هذه ليست إجابة الزوج والاب. لقد أعددت الغداء ولا زلت بانتظارك حتى هذا الوقت
-من الغد وإلى الأبد لا تنتظريني قط.. أتي متى شئت، واذهب متى شئت
-أراك تقولها صراحة بأنك لا تريد العيش الكريم، و تصرفاتك تدل على نيات سيئة ضدي، لا تحتمل
    انفجر مصطفی کبركان هادر واستدار يواجهها بعد أن كان يكلمها وهو مولياً ظهره.. استدار لها واضعاً طرف سبابته على جانب صدغه الأيمن، غارساً يده اليسرى في وسطه بحركة يجيدها رجل مثله ينوي الشر وينفذه في لحظات
- نعم أنا هكذا... وإذا كان لديك اعتراض فانبشي قبر أمك وأخبريها بالذي جرى…
اخيرا أودع في فمه المفتوح آخر سيجارة في جعبته وخبط علبة سجائره، ومضى کبطل يؤدي دوره بنجاح على خشبة مسرح."(8) 
     صور مشابهة إلى حد ما... . بين الحبة المسكنة والأفكار المتتالية و دوامة التفكير بين ما حدث في الماضي وما يحدث في الحاضر وما قد يحدث، في المستقبل، يخرج القرار الصعب بعد أن أصبحت المزاوجة بين الحبيب وزوج الجارة مكتملة، ثم لا يستمر قرار الليل إلا لمسافة زمنية تعادل فترة التفكير فيه، لتمحوه بسمة الخطيب ومجاملاته في صباح اليوم التالي، كان لا بد أن اتخذ قرارا أخيراً مفرحاً يلغي جميع احزاني الماضية، ويدوس على أطراف ذكريات لست أدري كيف حملتني الأيام تبعة حملها إلى الأبد".(9)

شريفة القيادي

    منذ البداية، تصدمنا (شريفة القيادي) مشكلة بطلتها " كانت المرة الألف فيها يخيل إلي، التي اتعرض فيها لنفس الإحساس بالضألة والضعة والصغار، مشاعري في الداخل تموج صخباً، وعذاب صار يكاد بين، لكني أبدو طبيعية وكان لا شيء حدث"، كأني لم أتعرض لذات المهزلة وكأن هذا الرجل لم يجرح احساساتي يوماً ما، وهو الذي ما فيه يطعنني المرة تلو الأخرى، يشتمني، يسبني يقلل من شاني، ومع ذلك فإن هدوئي الظاهري كان يستر جميع مظاهر غضبي وثورتي، تساؤلاتي نفسها صارت تبعها إشارات استفهام كبيرة"(10)
    ومع هذه البداية المرة الصاخبة، تتابع خواطرها تتالى مفسرة، مسترجعة الصور
    تتراءى أمامي ، احلامي كانت مجرد أحلام، ضننت يومها بأنها تستحق لا محالة، في بيت جمیل، وزوج محب وأسرة صغيرة العدد، وعاملة نشيطة ناجحة تعيش حياة طيبة، لكن عتمة الأيام خيبت إشراقة الأحلام وأطفأتها"(11)... قاسية جدا تلك الأحكام التي تطلقها، على نفسها كانت تلك الأحكام أو على زوجها ، كل العذاب والمعاناة تقصد عن صورتين متضادتين، حطاً لنفسها ومكانتها و شخصيتها كامرأة، وإبراز جميع جوانب السلبية فيها كضحية، إلى جانب احتقار الطرف الأخر بإبراز صفات القبح والتوحش والبذاءة فيه كجلاد، ومع ضغط : الثورة المخزونة منذ أن فرض عليها الزواج ومنعت من مواصلة الدراسة، وظلت تتنامی وتتصاعد وتكبت من طرفها حتى لحظة الانفجار وأخذ القرار بالرحيل، كانت تختضر رحلة العذاب تلك في دموع تبلل خديها، ورأسها ينگفی، نحو الأرض، وقد انتهت في تصورها تلك المحنة.

زاهية محمد علي

    إنه الاستعداد للترفيه عن السلطان ، هذا ما تقدمه لنا (زاهية محمد علي) وهي تتابع رحلة بطلتها "المهرجون"، بحركاتهم التي يحاولون بها بعث البهجة في نفوس النظارة، الخدم، يتقافزون يمينا ويسارا تلبية للأوامر وتجهيزاً الطعام السلطان ووسائل مسرته، ثم المغني، ينشف اذني السلطان بالموسيقا والغناء، وبعدها يأتي دور الجارية تدفي، فراشه . ووصل رئيس الخدم إلى غرفتها وصاح بها:
-ما الذي تنتظرينه با جارية السوء؟ استعدي لاستقبال مولاي السلطان هذه الليلة!
نظرت إليه نظرة بغيضة، وقالت:
-نعم يا سيدي، جارية السوء على أتم استعداد لاستقبال السلطان 
نظرت بأسي إلى الصورة، ورددت شفناها لحناً عنيفاً .. ضغطت بقوة على خنجر صغير، ووضعته تحت وسادتها ... نظرت إلى المرأة وهمست:
-. "أنا على أتم الاستعداد، وضمت الصورة إلى صدرها"(12)، الأطراف الأخرى تحدد مواقعها أكثر فالمغني بعد اليوم لن أغني للسلطان"(13)
    ويبدأ رحلة جديدة مع أصحاب الأقدام الحافية والأطفال. والسلطان ، ككل ليلة، همه أن يطمئن إلى أن كل شيء على ما يرام، ويفرك يديه بابتهاج وهو يسمع "إنها على أتم الاستعداد لاستقبال مولاي السلطان"(14). الموقف يزداد حدة ، المغني والجموع المحيطة به تردد اللحن العنيف ضد السلطان، الوزير والعبيد والحرس يسدون منافذ القصر ويحكمون إغلاقها، وفي الخدع يكونان "السلطان والجارية" وحدهما. في قمة انتصاره وهو يوشك أن يضاجع فتاة جديدة غير من كانت معه بالأمس، وتمتد يپدها خلسة إلى الوسادة
-  حانت اللحظة ...
قالتها لنفسها بشجاعة.. نهضت ممسكة بالخنجر خلف ظهرها.. ابتسمت له ابتسامة رائعة .. تناهت إليها أصوات عنيفة هادرة... يضطرب السلطان ويلتفت غاضبا، تنتهز الفرصة وتطعنه في العنق"(15)
    كانت نهاية السلطان، وربما کانت نهايتها ايضا، لكنها وفي جميع الأحوال بداية لها ، بداية جديدة استطاعت بها ان تصنع قدرها بنفسها.

تحليل المضمون

    لعل ما يلفت نظرنا ونحن نحاول تحليل المضمون الاجتماعي لهذه القصص والخروج باستنتاجات أو آراء، أن كلا من "اسماء" و " نادرة" و " شريفة" تنقصهن الإرادة ويفتقدن الثقة بالنفس عندما يكون الأمر متوقفاً على قرار القناة نفسها.
    "أسماء)" تعجز عن اتخاذ قرار بمخاطبة حبيبها. (نادرة) عجزت عن اتخاذ قرار الرفض او القبول بالزواج، مع تذبذب سلوك خطيبها وعدم وضوح جديته من عدمها. "شريفة" تعجز عن الوقوف بقوة عندما رفضت الزواج وأرادت الاستمرار في دراستها، كما عجزت عن اتخاذ قرار بالوقوف ضد سلوك زوجها من الأيام الأولى للزواج. كانت قرارات الجميع ردود أفعال ولم تكن أفعالا مطلقاً، من السكون إلى الدفاع السلبي، الذي يكتفي محاولة إنهاء المشكلة التي نتجت عن سلوك شخص آخر، أو عدم سلوكه، سیان، دون محاولة لإيجاد الشيء البديل الذي يمكن له أن يجعل الحياة تستمر اكثر، ويجعل التفاعل أكثر حيوية بين الطرفين، في سبيل خلق وضع أفضل. حتى محاولة التمرد على هذا الوضع الساكن التي قامت بها (شريفة) تبعها انهيار كامل منها وانصراف إلى البكاء، وكأن الدموع تطهير للفكر والجسد. (زاهية) فقط استطاعت أن تمارس رفضها وتمردها واخذ قرارها، عندما وجدت أن لا قبل لها بمواجهة قوة السلطان بغير الحيلة، وبذلك خرجت من تلك الدائرة المغلقة، الساكنة ابدأ
    تجتمع لحظة الفرح مع لحظة الحزن بدون استثناء عند القاصات الأربع، لحظة الفرح برؤية الحب ومناجاته ، أو بإنهاء مشروع الخطبة والتجهيز للعرس، او بقرب الخلاص من الزوج المستبد، أو الخلاص عندما يتم اغتيال السلطان، لكنها لا تستقر طويلا في الأعماق، لان عامل الحزن أقوى دائما، لأن الحزن يعني الحرمان من لحظة الفرح تلك، لأن الحزن يعني الخطوة الأخرى التي يتم اتخاذها، أو ينبغي اتخاذها للحفاظ على لحظة الفرح .
     لم تستطيع "أسماء" تنمية لحظة الفرح أو استبقائها، لأنها عجزت عن مخاطبة حبيبها ، فبقيت مناجاتها في صدرها، وقد كان في الإمكان،لو تمت لحظة الفرح تلك، أن تتبعها لحظات أجمل وأطول. كما أن "شريفة" انتبهت إلى أن لحظة فرحها تمثل في نفس الوقت لحظة بؤسها، لأنها تدرك أن المستقبل لا يحمل لها السعادة والاستقرار وراحة البال، بل مزيدا من الذل والاستلاب والاستعباد، وبذلك كانت لحظة الفرح مختزلة جدأ و بمثل ومض البرق، وقد نقلت "نادرة" أن تكون لحظة فرحها ايضا رد فعل لفرح خطيبها، وحزنها رد فعل لكل تصرفات وسلوك خطيبها، وفقا لظروفه وأحواله النفسية، وبذلك فهي لن تكون . مستقبلاً - إلا صورة مكررة، وربما بشكل أسوا من "شريفة" لينقلب الأمر بعد ذلك ليس فقط إلى تعاسة، ولكنها قد تصبح ماساة لا تجد فيها ما تهون به على نفسها إلا في احتقار الطرف الآخر من جهة، أو احتقار الذات وإظهار نفسها مظهر الضحية من جهة ثانية، نتيجة التردد في اتخاذ القرار، ثم التغيير السريع للحكم والقرار، وأخيراً العجز عن تنفيذ القرار لأول بادرة تغيير- ربما كان غير جدي - لسلوك ونفسية وأخلاقيات الطرف الآخر.

الصراع العاطفي

    إن الصراع العاطفي في نفوس الفتيات لا يستقر إلا بناء على أحكام سابقة، حتى النظرة إلى المستقبل لا تتبع إلا من خلال الموروث الاجتماعي ، هذا المخزون الهائل من الأحكام الجاهزة والسلوك الثابت والنظرة المستقرة للأمور من خلال نظرة الآخرين هي التي تكون الركيزة الأساسية في بناء المجتمع، وفي بناء "أسماء" و "شريفة" و "نادرة" و " زاهية" کوحدات تكون في مجموعها ومع الأخرين هذا المجتمع، وتحدد سلوكه وأخلاقياته.
    إننا لا نجد في النهاية إلا ثنائية (الحب / الموت) تلخيصا لكل هذا الواقع الذي يشمل الماضي والحاضر، يسيطر بالتالي على نظرتنا المستقبلية وعلى سلوكنا
    وتفكيرنا، غدا وبعد غد. هناك ثابتان رئيسيان يظهران لنا جليا من خلال الواقع، ومن خلال القصة الليبية كانعکاس لتأثيرات المجتمع، فالحب مرتبط ارتابطاً لازماً بالجنس، طالما كان هناك رجل وامرأة، او شاب وفتاة، أنها في البداية والنهاية (ذکر وانثى). وأول ما ينصرف إليه الذهن هو هذا التفكير، نتيجة الظروف الاجتماعية التي لم ولا تساعد الإنسان على تصريف جزء من طاقته وحيويته في مجالات مثمرة في مختلف الأنشطة والميادين من جهة، وعدم ندرة . ولا اقول رغبة . الإنسان الليبي - شابا كان أم فتاة . من فصل الجنس، كممارسة، عن مصطلحات أخرى تختلف عنها معنى وسلوكا من جهة أخرى، فالزميل والصديق والحبيب، هو بالضرورة عشيق، ومن هنا كانت تلك الثوابت الأجتماعية تعطي أحكامها بقسوة متناهية تجاه كل هذه العلاقات التي يمكن لها- في مجتمع سليم - أن تعد ظواهر صحية، تساهم في رقي المجتمع كعلاقات سوية بين البشر، ترعرع في حضورهم وأمام أعينهم ومعرفتهم ووعيهم واقتناعهم، ومن هنا أيضا كانت تلك الأحكام مقبولة ومستقرة داخل المجتمع لجمع، وكذلك كانت في أذهان "أسماء" و "شريفة" و "نادرة" و " زاهية"
    الثابت الثاني الذي يرد صريحاً مرة، وتلميحا مرة أخرى، من خلال القصص أن الرجل يأتي في المرتبة الأولى، وله أن يتصرف كما يحلو له، خفياً كان ذلك التصرف أم معلنا، لا جناح عليه، بل تصبح تلك الأمور مدعاة للتفاخر والتباهي، ويسعى صاحب الشأن لنشرها وتعميمها على الآخرين، وبمزيد من الإضافات و الأكاذيب، ربما لأن المجتمع قد يعتقد أن من خصال الرجل أن - يكون كذلك، وهي استمرار لتگريس فكرة (الحريم) وتشجيع المجتمع الأفعال الذي يعيش نساؤه في ركن ورجاله في ركن آخر، على حساب تقدم وتطور ورقي وزيادة إنتاج المجتمع نفسه. وبذلك يكون هناك المزيد من التواكل والمزيد من الجهد الضائع عبثا، ويريد من رسوخ الثوابت والطواطم الاجتماعية التي تجد في زوال كل تلك العوامل زوالا لها وتمهيدا لتعبيد طريق الى المستقبل حيث المجتمع الذي يكون الكل فيه سواء، إنه صراع من أجل البقاء

 الثوابت الإجتماعية

تتخذ الثوابت الإجتماعية أحكامها الجاهزة في تفكير وسلوك بطلات القصص."أسماء"مثلاً تخاف إن بدأت هي أول الطريق اهتزاز صورتها في عين من تحب، تتظاهر بعدم اهتمامها به، وتثير غپرته بمحادثتها لغيره، وحتى عندما التقيا وقد قرر كل منهما أن يقول ما يحسه نحو الآخر، بدأ حوارهما. بدايته ونهايته علنية وما بينهما مناجاة يتمنى كل منها أن يسمعها الأخر منه، لكن الرقيب الاجتماعي يقف بالمرصاد، ونقى الثوابت الاجتماعية حائلا بين (أسماء) ومن تحب، بالرغم من أنها في وسط اجتماعي يفترض أنه متكامل، في الجامعة، حيث الكل في نفس العمر، والكل يواصل تعليمه العالي، والكل يحس بان الفروق الفردية أو النوعية بين (الذكر والانثى) قد زالت، وأن الاتنين متساويان في مستوى الوعي والتفكير، والمطلوب منهم جميعا هدم الطوطم الاجتماعي الذي يفرض نفسه خارج أسوار الجامعة، حيث تختلف قدرة ومستوى ووعي الأفراد، لتشكل نتسيجاً لا لون واحد او تصميم واحد أو زمن واحد، لقد عجزت "أسماء" في هذه المواجهة وسقطت راياتها، خوفاً من (الموت) الاجتماعي مقابل تحقيق (الحب ) الواعي والحقيقي
    أما "شريفة" فقد حاولت هي الاخرى رفض الزواج والاستمرار في دراستها وفشلت، ثم حاولت التمرد، وسكتت عند لحظة الانهيار بعد التمرد، وهي تدرك لحظة (الموت) بعد وصولها إلى لحظة (الحياة) مباشرة، وإن تكن فكرت فيها منذ رفضت الزواج في المرة الأولى. تدرك "شريفة" أن الطلاق هو بمثابة إعلان
    (موتها) اجتماعيا، مع زيادة قيود الثوابت الاجتماعية حولها من قبل الآخرين، وأولهم أسرتها، فكأنها قد هربت من السجن المؤبد إلى (الإعدام). وكان الفرصة أتيحت للآخرين کي ينهشوا لحمها معنى وفعلاً. إن الثوابت الاجتماعية هنا لا تتبع لها الفرصة في أن تعبر من العذاب إلى (الحب) كما تتيحها ل (الذكر) الذي يجد مساندة وعوناً ومغفرة من الطوطم الاجتماعي، حتى لو كانت محاولته تلك الرابعة أو الخامسة، وحتى لو نتج من محاولاته السابقة التزامات عائلية (أطفال) أو مادية (نفقة). إن عبور "شريفة" هنا هو عبور من العذاب إلى (الموت)،
    كذلك يكون الأمر مع "نادرة" منذ أن تعگر جو خطيبها وهي تستعيد حكاية أم صديقتها مع زوجها، دون حساب مطلقاً إلى أن هناك (زنا) بين ما وقع وما قد يحدث مستقبلاً لها مع خطيبها . يمر الزمن ، تتغير كل نواحي الحياة في المجتمع، حتى مراسم خطبتها لا يمكن مطلقاً مقارنتها بمراسم خطبة ام صديقتها او امها هي لكنها لا تدرك ذلك، أو لا تريد أن تدركه، وتظل تراوح مكانها، لا زالت ظلال صورة (الانثى / الجارية) في مقابل صورة (الذكر / السيد) هي التي تثير خشيتها، بدون أن تساند هذا التفكير خطوة في تقرير المصير الذي يمكن أن تساق إليه، في زحمة تصورها من أن الحب يمکن أن يكون بديلا للتفاهم والاتفاق على صنع الحياة معا، وبذلك تخطو إلى العذاب متصورة أنه الحب، وعندما تفيق من الوهم تجد أنها ليست فعلا إلا صورة من أم صديقتها، وتمر بنفس رحلة العذاب التي مرت بها قبلها "شريفة" ومن العذاب إلى (الموت) من جديد.

 النموذج الإيجابي في القصص الاربعة

    تنفرد "زاهية" بأنها النموذج الإيجابي الوحيد في القصص الأربع، فهي تتخذ قرارها وحدها، ثم تدبر وتنفذ ما قررته دون انتظار لقرار الأخرين أو ردة فعلهم، وبذلك تخرج-عن طريق (الحب) - من مأزقها باستخدام (الموت) للوصول إلى (الموت)، على أسوا الظروف، أو إلى (الحب / الحياة) في أفضل الظروف. لكن هذا كله تحقق فقط عن طريق استخدام الأسطورة من ناحية، وإسقاطها سياسياً من ناحية أخرى، ولولا ذلك لكان مأزقها کمازق "أسماء" و "شريفة" و "نادرة".
    لو الغينا الأسطورة والإسقاط السياسي لوجدنا أن القصة هي واقعة اختطاف من (ذكر) قوي (لا يهم هنا مصدر القوة جديا كان أو سلطويا أو ماديا ) لحبيبة (ذکر) آخر أقل قوة، يتبع عملية الاختطاف الشروع في اغتصاب الضحية التي تقوم باغتياله، لتخرج بطلة تحت مظلة الثوابت الاجتماعية
    ان الثابت الاجتماعي كما يطلب من (الأنثي) أن تكون جارية لسيدها (الذكر) في الحالات التي تعارف عليها ابناء المجمع، ليطلق عليها لقب السيدة (المصونة)، وطلب أيضا أن تقوم (الأنثي) بحماية (شرفها) ضد أي واقعة خطف أو اغتصاب، بالخطو في اتجاه الموت، حتى لو كان موتها هي بدلا من موت (الذكر). ذلك أن الموت في الحالين من نصيبها و موت معنوي في حالة تحقق الاغتصاب، وموت مادي في حالة استباق الاغتصاب. وفي كل الأحوال، يكون الرقيب والفاعل والقاضي هو (الذكر)... وتقوم (الأنثي) بذلك وهي تصور انها تعبر من العذاب إلى (الحب) فلا تجد امامها الا (الموت) . وبذلك نجد أنه لا فرق في توظيف المخزون التراثي للثوابت الإجتماعية بوعي أو بدونه، بين كل من "أسماء" و "شريفة" و "نادرة".

تقارب المستويات 

    برغم أنهن جميعاً "أسماء" و "شريفة" و "نادرة"و "زاهية" في نفس العمر والمستوى التعليمي والمستوى الاجتماعي، إلا أنهن يظهرن کمن يحبس نبض الآخرين بعرض مشاكله وأزماته مستدراً للشفقة والعطف، ليكون الحكم أخف.
    ومع تسليمهن بأنهن الطرف الضعيف في أي صراع، وأنهن ضحية جبروت (الذكر) ماديا ومعنويا، تبقى الخطوات المفترض سيرها إلى الأمام تراوح مكانها دون حراك من النقطة نفسها التي كان فيها القاص والكاتب اللييي يطرح هذه الآراء منذ أكثر من ربع قرن، نثراً وشعراً وقصة، في سبيل أن يتحرك المجتمع وتتحرك (الأنثى) لخلق أوضاع اجتماعية واقتصادية وثقافية أفضل ما كان عليه الحال.
    كانوا يفعلون ذلك برغم الأوضاع السيئة حينذاك على كل المستويات:  على المستوى الاجتماعي، كانت الثوابت أكثر إحكاماً لقيودها حول (الذكر)، کما هي حول (الأنثى)، على المستوى الاقتصادي، لم يكونوا يعيشون رخاء في العيش، ولا امتلاكا لرسائل الحضارة، بل ربما حتى مجرد السماع بها يپذهل الإنسان باعتباره معجزة في عصر انتهت فيه المعجزات.
    على المستوى التعليمي، كان عدد الطلبة بضعة آلاف، تشغل الطالبات فيه  نسبة لا تذكر، لتصل الآن إلى أكثر من مليون، بين طلبة وتلاميذ، في مستويات من المرحلة الابتدائية من الدراسات العليا في الجامعة، تحتل (الأنثى) فيها نسبة 50%. إن لم تكن أكثر، ولننظر إلى الكاتبات أنفسهن (أسماء / لیسانس)، شريفة / ماجستير)، (نادرة / طالبة جامعية)، و (زاهية/ طالبة جامعية) كان هدفهم الإصلاح، لأن لا مجال أمامهم أكثر من ذلك، وسط كل تلك العوامل الصعبة. وبعد أكثر من ربع قرن وجدنا صاحبات القضية نفسها يخضن نفس الإشكالية، فيقدمن الطرح نفسه بدلا من القيام بتفجير واجتثاث تلك الثوابت، لتغيير اسس بناء وتكوين الفرد الثقافي والاجتماعي وفقأ للحياة العصرية، حياة تحت نور الشمس، واضحة صريحة، واثقة، تسعى نحو الأفضل والأكمل. لعلنا لا تنتظر ربع قرن آخر حتى تتحقق أحلام كتابنا في الخمسينات وأحلام كاتباتنا في الثمانينات.
_____________________________

الهوامش

  1. عبد القادر ابو هروس، نفوس حائرة منشورات مكتبة الفرجاني ط1/1957م.
  2. مجموعة کتاب، 9 قصص قصيرة (سلسلة كتابات جديدة العدد 10 ) منشورات الدار العامة للنشر والتوزيع والإعلان ط1998/1م.
  3. زعيمة الباروني "القصص القومي" منشورات المطبعة العالمية القاهرة ط1958/1م.
  4. مرضية النعاس «غزاله". منشورات الشركة العامة للنشر والتوزيع والإعلان ط1976/1م.
  5. لطفية القبائلي "أماني معلبة" منشورات الشركة العامة للنشر والتوزيع والإعلان ط1977/1م.
  6. 9 قصص قصيرة ، قصة "لا شيء" ص 11-12
  7. 9 قصص قصيرة ، قصة "القرار الأخير" ص29
  8. 9 قصص قصيرة ، قصة "القرار الأخير" ص32-33-34
  9. 9 قصص قصيرة ، قصة "القرار الأخير" ص16
  10. 9 قصص قصيرة ، قصة "الصراخ" ص49
  11. 9 قصص قصيرة ، قصة "الصراخ" ص51
  12. 9 قصص قصيرة ، قصة "الصراخ" ص51
  13. 9 قصص قصيرة ، قصة "رحيل نحو الخلاص" ص81
  14. 9 قصص قصيرة ، قصة "رحيل نحو الخلاص" ص84
  15. 9 قصص قصيرة ، قصة "رحيل نحو الخلاص" ص85

*سبق النشر بمجلة الناشر العربي العدد الثاني-فبراير 1984















تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -