أخر الاخبار

المرايا…للقاص ابراهيم حميدان

المرايا…للقاص ابراهيم حميدان
المرايا…للقاص ابراهيم حميدان




اللحظة الفاصلة

في اللحظة الفاصلة بين الحلم واليقظة . شاهدتها : تلك الإطلالة الذهبية ، الوجه المسربل بالأسى والانكسار الجبين العالى .. حتى الغيم .. حتى النجوم ، الضوء الارجواني الذي يرافق حركة جسدها الشامخ .. سألتها : "كيف السبيل إليك ياسيدة الأشياء ؟"في جرس حزين .. خافت أجابت :"سأجيء مع المطر .. موزعة أنا بين الغمام والندى" أحسست بالظمأ يبطش بحنجرتي فنهضت ، قصدت الحمام فتحت الصنبور فتدفق سائل اسود متخثر كريه الرائحة . عدت إلى حجرتي . في الخارج كان المطر قد كف عن الهطول ، و البرد الشرس يغرز سکاکینه الحادة في لحم الشوارع ، زررت سترتي وزرعت كفي في جيوبي ورحت أذرع الطرقات عاشقاً أضناه الانتظار الممض.
جسست الساحات والأنهج والأزقة ، تفحصت المقاهي والمحطات والمقابر والحدائق والمنتزهات والمطاعم والحقول والشطآن و الخرائب و الغابات والجبال والصحاري .. ولا أثر للحبيبة .. لا أثر للحبيبة ... لا أثر ...
تراها امرأة لعوب تضرب المواعيد المزيفة لعشاقها أم إنني واهم والحبيبة سراب ؟
هاهو ثلج الأنهاك يندل متمهلا، ينفذ عبر الجلد والعظم ، ويسقط على القلب كالرصاص المصهور . يكتم أنفاس الروح ويسكب في الحنايا والأطراف الخدر السام.هاهي فراشات الكرى تحوم فوق الجفنين منادية صوتا مخمليا سينهمر بعد لحظات أو بعد سنوات ويتساءل : "تأخرت؟".

الحبيبة

"نعم ، تأخرت أيتها الحبيبة الجميلة ، تأخرت كثيرا دهوراً طويلة وأنا أرصد إطلالتك الذهبية عروقي خمدت جذوتها، روحی هرأها الانتحاب وقلبی أمسى كیساً من الرماد و العويل.
متعب أنا .. متعب .. متعب .. متعب جسدی و حيل .. ولكنها تبتسم بسعادة وتقول لي : إنس وتسير بقربي بقامتها الباسقة عبر دروب المدينة ، كتفها يلثم كتفي ، وكفها تغفو في كفي عصفورة مرتجفة تتوق إلى أعشاش الحنان والطمأنينة .
علام يتفرس فينا المارة وسائقي العربات، علام يلاحقنا الصبية الصغار مهللين صاخبين في تهريج .. ؟ يراودني احساس بالزهو والاعتداد فأشد قامتي المديدة وأضرب الأرض بقدمي .. ها أنذا أيتها المدينة الجاحدة..أشد رجالك و سامة وأوفرهم قوة وعنفواناً.
وهاهی حبیبتی إمرأة ولا كل النساء .. أميرة خرجت للتو من كتب السحرة والخرافة والأساطير القديمة تسير بقربي موشحة بالضوء والمجد والكبرياء .. تعالى أنها الحبيبة الجميلة .. تعالي نترك هذه العيون المسكونة بالفظاظة و الحقد .. نركض نحو الغابات القريبة نجلس في خضرة العشب المخضل و الشجر العتيق والأرض المزهوة بفتنتها ،، بزهورها وأشجارها واخضرارها الفاحش .. تعالي نذيب هذه الكآبة المترسبة في الأعماق ونعب من كؤوس الحب والفرح .. كانت تصيخ السمع تارة و تارة أخرى تكركر بالضحك ... وكان المارة أيضا يضحكون لضحكها وفكرت : إنهم يغبطونني .. الآن زایلنی ارتياعی القديم ، وعدت طفلا غضاً يركض تحت المطر في الشوارع فاتحا فمه على اتساعه مستقبلا حبات الماء اللذيذة ... سأقبلها ، نكاية بكل هؤلاء ، سأقبلها الآن ، و أفجر حبي الخرافي على الملأ وتحت شمسك أيها النهار ... وعلى الفور استدرت نحوها في حركة مفاجئة واحتضنتها .. غير أني ما أن هممت بتقبيلها حتى بوغت بها وهي تنزلق من بين ذراعي مثل سمكة صلبة ، متحفزة ، و تلطخني بحقيبتها على وجهي وهي تصرخ في هستيرية ومن كل مكان أقبل العنف .. أقبل الألم والوجع الجهنمی..القبضات الصلبة القاسية الأحذية الغليظة الأصوات المشروخة .. وتفجر الدم وسال حاراً على الوجه والجسد والتراب.

المرايا

تدور المرايا ويدور وجهك في المرايا .. تدور الكواكب و المدن والبيوت والأشجار والأعمدة والأقواس والقناديل .. تدور الوجوه و العربات والطرقات.. تتمازج الأصوات و تناغم الأضواء بالظلال .. وفي المرايا أراها نستغيث و الزنجي القميء يقضم جسدها الربيعي وتصرخ ، فيصرخ ، فيصرخ القلب وينخرط في الانتحاب العاجز .. وينفتح الروح المثقلة بالجراح والعذابات ... تدور المرايا وتدور الوجوه في المرايا تتراقص الأشياء وتندفع عبر مسارات دائرية تتسع وتضيق .. تنأی و تدنو ...وتسقط أمطار من نار فتشتعل الغابات وينزاح ستار أزرق عن نافذة الحبيبة لتكشف عن الوجه المجبول بالأسى وهو يحي العاشق الواقف عند المنعطف و تشير بأصابعها علامة الموعد المرتقب : السادسة ، ثم ينسدل الستار و تنبثق الوجوه الدميمة من جديد ، وجه زنجى قميء ، وجه قزم مترع بالندوب ، وجه بدين شهواني . وصوت محشوج مثل منشار يتساءل في صلف وعدوانية ظاهرة ، ورائحة الحمر الردئية تسبقه :
"ماذا تفعلان هنا؟"
فأجيبه بصوت مثقوب بالرعب
" آنها معشوقي وردة المسافة و قصيدة الندى ألا تعرفونها ؟ تملوا عينيها جيدا و ستطالعكم تباشير الطفولة وقباب القرى الهاجعة"
- "أقول ماذا تفعلان هنا .. وفي هذا المكان النائي"
- "لا شيء يا سيدي لا شيء .. جئنا تحتفي بالخضرة والربيع ونملأ الروح بمشاهد الطبيعة الخارقة الجمال ..و..
- "کفی ثرثرة - نحن أبناء مدينة ونعرف بعضنا جيداً .. بلا لف ولا دوران ندخل إلى صلب الموضوع مباشرة .. نحن نريد حصتنا لا أكثر .. نأخذ نصيبنا و ليمضي كل إلى سبیله في هدوء وسلام وأجيل بصري في الأنحاء فلا أرى سوى الأشجار والمساء و هو يلوذ بالفرار .. لا أثر لبشر .. لقد توغلنا داخل الغابة .. اننا بعيدون .. بعيدون و حبیبی تلتصق في بظهرى في تشنج .. وتنتحب ، الزنجي القميء، يتقدم نحونا .. قدماه حافیتان و قميصه مفتوح..نمی، ورائحة الخمر الرديئة تسبقه
-"السكوت علامة الرضى .. كنت أعلم أنك شاب عاقل منذ البداية .."

اللطمة

أكور قبضتي والطمه بكل قوة على وجهه.
تنفر الدماء من أنفه ويتراجع منحنياً وهو يطلق سباباً قذراً.. مهتاجين يهجم علينا والقزم ذو الوجه المترع بالندب ،و البدين ذو الوجه الشهواني .. يلوح بسلسلتين غليظتين طويلتين.. أتراجع بسرعة وتتراجع خلفي حبيبتي .. من الأرض أرفع عموداً حديدياً قصير ثم تندلع الحرائق في الرأس و يتفجر ألم هائل ويتلاشى كل شيء .. ويهمس صوت حميم ينسكب في القلب البارد دفقة من النجوم الدافئة.
"ألن يشفى يادكتور؟ ها نحن نقترب .. الأزقة الأفعوانية هذه تنتهي ببيتنا .. التفت خلفي فيتضاعف فزعي : لقد إزداد عددهم صاروا ستة ، كلا عشرة.. أنهم يتناسلون بشكل مرعب .. يحملون سلاسلهم وخناجرهم وعصيهم الصلبة ويركضون
"أسرعي أيتها الحبيبة اسرعی .. اسرعی .." أقول له إن ذلك مستحيل قيصرخ انها عاهرة...
أعرفها جيداً .. ويتقدم نحونا بسرواله (الجينز) وقميصه المفتوح ورائحة الخمر النتنة تسبقه أكور قبضتي والطمه على وجهه فتسقط سلسلة غليظة فوق رأسي أطلق صرخة مدوية ثم يغيب كل شىئ.. من أين يجيء هذا الصوت الأنثوي الحنون ؟ انه نشيج مألوف لقلبي .. اكاد أسمي صاحبته .. هاهو يصفو .. يدنو .. كلا .. انه ينأى .. ينأى يغمغم بهمهمات وأصوات أخرى خشنة .. "أسرعي أيتها الحبيبة .. اسرعي .. إنهم يقتربون .. " "آه يا فلذة كبدي .. ما الذي جرى لك .. أنهض و ارحم أمك المسكينة .. " التفت خلفي في رعب فاكتشف أنهم صاروا على مبعدة أمتار قليلة .. عبثا أضاعف سرعتي .. عبثاً أواصل ركضي .. الآن ستسقط السلسلة الصلبة على رأسي ويتفجر الدم والوجع الهائل ثم يغيب كل شيء .. ولكن يا إلهى هاهي الأرض تنفتح وها أنا أسقط في وادي سحيق . أحاول أن أصرخ .. ولكن صوتي يختنق في حنجرتي .. أحاول أن أنهض ولكن أطرافي جامدة .. فأواصل ركضي و أنا ألهث .. و انزف عرقا ...
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -