أخر الاخبار

الغربة في القلب..للأديب الناقد الدكتورعلي زياد علي

الغربة في القلب..للأديب الناقد الدكتور علي زياد علي*

كنت اداوي الجرح في صدر أحد الأقمار برماد إحدى كلماتي المحترقة وحينما أبتسم القمر تحول رماد كلمتي،إلى زهرة متسلقة وعادت تلتف حول قامة إحدى قصصي المتشردة.
شيركو بيكه سي

محطة قطارات هامبورغ

    محطة القطارات بمدينة هامبورغ مع الصباح الباكر الغبش لم تكن لها ملامح المساءات السابقة. أبداً لم يكن رأسها مصدعاً بالضجيج.
لا أحد على ما يبدو، عدا الريح الباردة ، التي دائما لا تعرف ما تريد، والتي تنغرس في الجلد مثل إبر ثمرة التين الشوكي دون ان تراها العين متسكعة مضطربة حاملة للمسام قشعريرة، هكذا هي دائما تزغرد في فرح وحزن،
ريح هنا .. ريح هناك،
ملائكة تتصارع ضاحكة، لا يهم
    الأبواب الزجاجية للمحلات مقفلة ، ومقابض الألومنيوم مشرعة للفتح، والضباب يحجب ما بالداخل . بصره يصطدم بالزوايا، وبالاعلانات بصورة ضخمة بالحجم الطبيعي لموشی دایان کتب تحتها - رجل العام 67 - بالصناديق البلستيكية المعلقة والمقسمة إلى أدراج مملوءة بانواع الفواكه والتي تلامس اليد بمجرد أن تضع (الماركات) في الثقب، بالکتل الزجاجية الأرضية، والتي على شكل اسطوانات الغاز محشورة بالجرائد. بالصناديق الحديدية المرسوم عليها زجاجات المشروبات الغازية والكحولية، وصوردعائية ملونة يكتظ بها البهو، نظراته ترتد إليه بعد أن تمسح ما يصطدم بها دون أن تعلق بمكان محدد، وكان الدخان الذي ينفثه من فمه يخرج دافئاً، فيكور يده وينفث فيها.

حي سانت بالو

    كان متعبأ، الإرهاق والنعاس پعششان بجفنيه نتيجة سهرة البارحة الصاخبة بحي (سانت بالو) ساحة الشرف حيث تتلون النساء مرتدیات ازياءهن التقليدية كأنهن في مسابقة -ملكة الدعارة- . حي السيدا، وزاد من وجعه استيقاظه المبكر، وعدم شربه لقهوة الصباح خوفاً أن يزعج صاحبة البيت "الحلوفة"، المحشوة كلام لا معنى له وتلك الفتاة الأبنوسية صاحبة العضلات والصدر الساخن المنتفخ بالحليب الرائب، والتي تغرس يديها في خصرها رافعة واحدة من هضبتي مؤخرتها صائحة من آخر الزقاق بمجرد ما يلوح لها يتسكع عند المحلات التي تبيع أغراض الجنس: "هالو نيقرو . هالو . کمان بوي"
    تشدد على الحروف، فيشد أصابع يده اليمنى على شكل قبضة ملاكمة ، ويهرب على ساعده بكف اليد اليسرى، موجهاً إليها شتيمة صامتة زاما شفتيه، إنها تذكره بتلك السيدة التي كانت جميلة ومثيرة - وهي تطرطق كعب حذائها العالي بحي سوهو وتتغنج باردافها الكروية قبل أن تلجأ إلى ركن زفاق مظلم، ثم تقرفص جالسة على الأرض رافعة تنورتها لنشر المياه بين ساقيها كحنفية سائبة مكسورة.
    لا أحد من الوجوه التي يعرفها ، لا أحد.
    حتى المرأة المحترفة التي أحرقت رماد أكثر من ثلاثة أرباع عمرها، والتي كانت تزعق في الليلة الماضية مستثيرة السکاری بشبق رخيص:
- هنا الخبرة .. تعالوا يا أولاد لا تذهبوا إلى الخنزيرات الصغيرات، من هذا القبو عبر رجال الحرب والبحارة هنا العش الذهبي ، تعالوا تعلموا الحب هنا العش الذهبي
    تتقافز الارقام الالكترونية على اللوحة المعلقة في صدر البهو، تجري معلنة مواعيد. وصول وسفر القطارات الداخلية والخارجية الحروف تلاحق بعضها لتصطف متجاورة - مثل تلاميذ صغار انتهت فترة استراحتهم وتجمعوا استعداد لدخول الفصل - مشكلة أسماء المدن ، ثم تنصرم لتعيد يد سحرية ترتيبها، واحدة منها هي التي قال عنها بريخت:
لابار في هذه المدينة
لا محل تليفونات، لا مقهی
لا مكان يجتمع فيه الأصدقاء
ليلعنها الرب… لنذهب إلى غيرها
    إنها مدينة ليلها طويل ، لا صدر يحنو ولا طفل يتهجأ حروف العطف، مدينة تجهل الفرح وتتمطي كعاهرة في كسل مثل فتيات لیل باماكو الرخيصات . اتجه مهرولاً إلى آخر الرواق عله يرى أحدا عند الأرصفة المزروعة في بطن الأرض ، ناطحات الماء ، جذور المباني السحابية غابات الأسمنت ذات الدفء والمشاعر الصناعية. قلب المحطة سبع طبقات مثل الجحيم (لتركبن طبقا عن طبق)، سلالم كهربائية وأسمنتية وحديدية ،عالم الأرضين التحتيين, عالم مثل الديدان تزحف إلى باطن الأرض ، ويزحف السطحيون فوق سرتها تذكر المدينة النورانية ، والتي يعيش حوالي المليون أو النصف بصورة مستمرة في اتفاقها. كان القطار المتجه إلى الشمال متمدداً كعاشق على صدر القضبان، النشوة تجعل جسده التعباني يرتعش، مثل حیوان بري حز عنقه بسكين حاد، فلم ينتبه لخيانة الحياة له، سيزيف آخر والدخان الأبيض المتصاعد منه كالبخور يوحي بتململه من اللعبة انفاسه متقطعة مثل مدمن سجائر غير الصنف، فيما كان صفيره خافتاً مثل اللهاث في لحظات النهاية

أبوسوزي

    أطل وجه باذنجان احمر من نافذة الثعبان الفضي الحديدي غلق نظره به مثل حبات مطر على سلك كهربائي ، لاتمنحك فرصة أن ترى معها شيئا، عرف صاحبه من شعره الشوكي (كصيد الليل) والذي پشه رأس الهدهد، وان كان على شكل هلال، مصفوفا متيبساً لا تأتيه الريح من بين يديه ولا من خلفه کجنود أتراك ، يحرسون نصب الجندي المجهول، ينقعر متوسداً المنطقة الخلفية في الرأس. عارياً أحمر مثل موقد كهربائي مطفاً منذ برهة وجيزة.
    قرب أبوسوزي يده كبوق من فمه ، ثم حرك اصابعه القصيرة خارج النافذة، تلك الأصابع المنتفخة كقطع السجق صارخاً:
-اسرع .. اسرع يابو ليبيا يلعن حريشك
كان يود أن يقول له: 
-وانت يلعن ثلاثين من أقربائك.
    السلم الكهربائي يتحرك نحو باطن الأرض ببطء، فيما كان يقفز الدرجات بأقصى سرعة معتمدة على الدرباز الحديدي، وضع قدمه على عتبة القطار وأمسك بالعمود الموازي الباب يلهث فرحة كطفل اعتقد انه عمل شهامة، حاول أن يغطي تأخره بابتسامة بلهاء مشعة بالاعتذار قائلأ معها صوت يبدو أنه قد بلعه:
- جود مورنغن
لم يكترث به أحد، لم تأت تحيته بثمنها، شتم في داخله
- أولاد اللبوة لا أحد يرد السلام
    ثم انهد على أحد الكراسي، وأشعل سيجاراً كوبياً، بعد ان مرر عليه لسانه لیبتل، قاضما جزءا منه ليحرق بكارته بعود الكبريت المطفأ، ثم عض على الكبريت بأسنانه واضعة شفتيه على حافة السيجار ساحباً نفسا عميقا مغمضة عينه اليسرى منتشياً کحشاش يجرب الصنف

أبوسوزي

    افکاره تسافر مع الأشجار المسرعة إلى الخلف هاربة من القطار، كانت الأوراق الخضراء والصفراء والبرتقالية،المتعانقة تحدق في الجالسين دون انقطاع، دون كلمة، مثل صغار تعلب حانقة، أنها مغسولة جيداً برذاذ قطن السماء ، الذي لا يتوقف عن نتفه ورميه، وبين الفينة والأخری تتزحلق قطرات الماء على سطح الأوراق التي تنحني لها مبتسمة فيما تلمع مع الضوء القليل الذي بدا يتسرب من الشمس الخجولة مخترقاً الأغصان ،شمس لا تعرف كيف تقسو ، حتى ولا كيف تخدع كسراب، أوتدفيئ نفسها ، كانت لحظة ساحرة ، لحظة فوق الوصف.
     كومضة أسرع من الزمان، وبتصویر بطي يمكن ملاحظة الأشعة تطارد حبيبات المطر المتساقطة، والمترددة ، آو على ما يبدوحبيبات المطر نفتقی أثرالشعاع، لتعرف إلى أن يذهب ذلك العاشق، وينفرط السؤال من عمق الغيرة، ويبحث عن الفضيحة . أهو المطر أم الشمس؟
    كان أبو سوزي يتحدث لحظتها مع الجالس أمامه وكان يستعمل يده، ويفرد اصابعه، ويحرك مؤخرته، وكتفيه أكثر من حركة كان يفعل، ويستطرد في عدة مواضيع لا رابط بينها ماصاً أسنانه بلسانه و فيما تغمر عينه دون سبب، هازا صدره المترجرج مثل قطعة (جيلي) لم تنحشر بعد، نافضاً رأسه فيما ياخذ وجهه تشکیلات غريبة مخيفة ومضحكة مثل (سفرجلة) و دون الانتباه اليه جيداً ، لا يستطيع المستمع أن يفهمه، فحاسة واحدة معه لا تكفي، قصير ومنتفخ مثل (سانشو رفیق دونكيشوت)، کتله صماء دون أطراف، أو هكذا يبدو من بعيد، كعجل البحر، أحول لحد يبدو كأنه كريم العين، عندما يحدثك تعتقد انه يقصد شخص آخر، لا يتوقف من ارتشاف البيرة، ومع كل جرعة يدلفها في الزير الذي يئن بحمله والمنبعج مثل (قرعة حمراء) کبيرة يمرر ظهر يده، وفم الجاكيت، على فمه، وشنبه الهتلري، من اليمين إلى أقصى الشمال راجعة نفس الدرب، قائلاً بصوت يفرقع ، مثل العلك في فم إحدى بنات العائلات :
- الحمد لله نعمة
    ثم بدأ في أغنيته اليتيمة
ركبت حمار فوق حمار عنقص
زماني والدهروياي، عنقص
حبيبي اللي كنت اشتاق ليه ، عنقص
رماني ، وشمت العدوان فيا…..
يادنيا لو ظيلت شده، لا أسكر وأسكر
واجيب العار لأهل العراق

رومي شنايدر

    لا أحد يملك ان يقاطعه .. كل ما يملکه آن يکتم ريشه ویبتسم مع أبو سوري وعالمه قائلاً : الحمد لله، نعمة على كل حال ن تقتاته المحطات منذ غادر طفولته، وتصطاده الثواني هذه القوات المملؤة حزناً ،والتي يرتمي مهدوراً على صدرها القاسي، ويمضي مبعثراً أيام العمر من مطار، إلى ميناء، الى بار، الى فندق، إلى رصيف على كرسي لامعنی للجلوس عليه، مثلما هو الان متجه إلى قرية (كيل) بشمال هامبورغ ، والتي تستلقي في حضن برزخ من البحيرات، كان قد تم استئجار قندقها الكبير الوحيد على ما يبدو، کاستوديو لتصوير الفيلم الذي تلعب (رومي شنايدر) بطولته، ويشترك هو ايضا في دور کومبارس.مثلما يشارك أبو سوزي بعربدته، ووجوه أخرى تحمل بشرة الأبيض المتوسط في دور اولاف همج متوحشین.
        کان يجب تشويه صورة الأيطالي لأنه سبب هزيمة النارية وكا عليه أن يلتزم بملاحظات المخرج، وملاحظات وانتقادات ابو سوزي ، ذلك الرجيم الذي انشق أمامه في المطعم الجامعي بهامبورغ، لیعرض عليه في شكل حاسم رغبة المخرج التي كان يبحث عن وحو متوسطية قال لنفسه : لايهم أنه ثار الاجداد، مع أولاد الخنازیر والجولات لم تنته بعد. ودون مماطلة قبل المشاركة خاصة وان العرض مغر إلى جانب التجربة هذه بداية جديدة خاوية اذا لم تنفع فلن تضر، ياسيدة الكذبة الالمانية، يا لا شيء، وعلى الرب عندما يحاسب ان يقسم الأمور على دفعات، هكذا لن تعرف كل واحدة ما قبلها ومابعدها.
    ما كان بامكانها أن تتحمل كل ذلك الحزن الفراتي المتجدر، وكوابيس السجون والعذاب المزمن وأبو سوزي الذي لا يحلو له الشرب إلا في صحته دائما هكذا

الزميل الأردني

    الزميل الأردني لم ير أهله منذ سنوات عديدة، والمرة الوحيدة التي التقى فيها معه وجها لوجه منذ غادر جبل جلعاد كانت بلبنان عندما كان لبنان،وبعدها عاد إلى المانيا، وظلت الأشواق تسافر فيما بينهم أحيانا عبر الأسلاك وعير أغنية عشيقة الشيوخ تلك البدوية التي تمخض شكوتي لبنا على صدرها إكراما لعيون حسن ومشاكله حتى مات. طلب منه أبو سوري ان ينزع الخريطة التي على حقيبة اليد وعندما تسال بعفوية عن السبب؟ أجابه بتشنج وصراخ هستيري مشبع باللعنات
- إنني أريد أن أنسى ولا داعي أن تذكرني في كل لحظة بذلك المكان الملعون ، حيث يخصون الرجال ويفترسون الحلم حتی يا صاح أضاف بانفعال فيما أظافره تشد جلد الرأس:
-. يجب أن لا تحدثني كغبي فأنا لم أعد أطيق أن أسمع عن الانقلابات، وعندما تكبر ستعرف ذلك أنت عيل ولهذا تتشدق بما هو أكبر من وعيك ولن تعرف عواقبه الأن اسكت، وإلى جهنم.
    بقية الرفاق على الطاولة ، لم يكن لهم وجود فعلي واللغة كانت حاجزاً حقيقياً، فالاسباني مشغل بالتبتل للفتاة الهندية والتي لم تكترث إليه إطلاقا، شعرها شلال أسود يلمع وصدرها مجرد مشروع صدر، كانت جلدا على عظم، أنوثتها في عيونها المقدسة كبقرة.
    المخرج يطلب من (الكرسون) أن يقدم لهم أطباق المعكرونة،و(الكلالوني) والخبز (الفرنسي) ، فيها وزع عليهم بعض السيجار السمين التشرشلي. طلب منه أبو سوزي ان يحضر له گويا من الجعة، مقابل سيجاره رحب بالمبادلة، كان أصغر من أن يشرب وأكبر من تبغ العالم خاصة عندما يكون مبروما. اتجه ناحية البار كانت الكمرات المثبتة على عربات كهربائية صغيرة تتحرك في كل الاتجاهات، وكان متجهة إلى طلب ابو سوزي في طريق ملتو، متحاشيا أن يصطدم بجذوع البشر المتحركة أمسك بمقبض الكوب و ذلك الكوب المدحرج الخاص بالمياه الذهبية ووضعه تحت حنفية الأله التي على (الكنتوار)، ودفع به إلى أعلى فسالت الجمعة فائرة باردة مزبدة وعندما حاول ان يسحب الكوب قبل أن يفيض شعر بأن هناك ما يمسکه، فيما كانت الرغوة تندلق على جوانب الكوب وعلى يده متسربة إلى كوعه وملابسه وهو مشدوه تكسو وجهه بلادة العاجز. كان أبوسوزي الذي يراه لحظتها من مكانه يصرخ بصوت جاف وعبارات قذرة:
- لا تفرط في نعمة الله يا زندیق ، يا أبن …..
و قال لنفسه: 
- هذا ال…. يستحق السحل

المصور

    كان المصورعلى سيارته الصغيرة يقترب منه لحظتها، رأسه متعانق مع ألته ويده ممدودة إلى لا شيء، فيما المخرج يتحرك واضعا يديه بجوار عينيه مثل غطاء لحصان يجر عربة في الأزدحام يخشى عليه من الخوف من السيارات التي تمرق بجواره، كان يقترب هو الأخر حانيا ظهره كنصف بهيمة، مشيراً بيده التي تهتز وتدور في مكانها إلى المصور آن لا يتوقف، لم يكن أمامه إلا أن يندفع في الضحك مع شتائم أبو سوزي وزعيفه ، زعيق الضفدعة في موسم التناسل
شوهت سمعة العربية يلعن….
    فجأة سحب الكوب بعد محاولة ضغط إلى أعلى قمرته حالة من الزهو اتجه إلى المنضدة وفي هذه المرة لم يكترث بالراقصين بل عبر فارداً جذعه ماسکاً الكوب بيديه معاً، مخترقا(البيست) المعد للرقص.
    اصطدم كتفه في ضربة قوية مع الممثلة والتي كانت ترقص على الموسيقى الخفيفة. لم يكترث لأن المخرج الذي تبعه في تلك اللحظة كان في حالة من التألق والابتهاج سعيدة بالتصرفات العفوية غير المفتعلة وهذا مما جعله يصرخ بالايطالية : برافو فرانسي میکو برافو
    وعندما قدم الكوب الذي يحمله إلى عيون الجمبري الجاحظة كان الأخير وافقأ استعداداً له, فاردا يديه كراقص يوناني ، مفرقعا أصابعه كصاجات الحاجة سهير زكي ، مغنيا بأعلى ما يملك من قرار:
مصطفی يا مصطفي آنها بهبك يا مصطفی
سبع سنين في العسكرية
أنا بهبك يا مصطفى
    كان يزاود على حرق (ح) فيقلبه (ه)
    أمسك بالكوب كحبيبة يريد تقبيلها فيما ظلت بطنه تتراقص من اليمين إلى الشمال ومن الشمال إلى اليمين وهو يهزها في رعشة ( الوجة) وعيناه تتابعان مؤخرة الممثل الذي كان يراقص رومي شنيدر. فجأة رفع الزميل الأردني عقيرته بالغناء
حييك بابا حیيك
الف رحمة على بييك
    داخلا بصدره على صدر الأحول أبو سوزي فيها أيديهما تهتز وتتلاعب راقصة كاله بوذي
يابو سوزي لا تهتم
لو جرينا العاصي دم
    

المخرج

    كان المخرج هو الذي يزعق في الرجل الماسك بلوحة ( الكلاكيت) وفي المصور كي لا يتوقف مشيرا بيده إلى الزاوية الأخرى. اقتربت السيارة الصغيرة الثانية بألة التصوير فيما أمسك الاسباني بعود من المعكرونة ورفع يده عالياً وفتح فمه ليمتصه بصوت عالِ مزعج ساحباً كمية من الهواء إلى رأسه ككرة جولف تكاد أن تسقط من مسمارها، صارخاً: فيفا اسبانيا
    اتجهت عيون الممثلين والمساعدين والخدم إلى المنضدة العربيدة، مما جعل الفتاة الهندية تعود إلى مكانها بابتسامة مملوءة بالبهار، قبلت أبو سوزي الذي حاول ان يمسك وجهها، وعندما انفلتت منه، فل أصابعه بصوت به مصمصة عالية.
    مع الساعة الثالثة توقفت الالات عن التصوير، أطفئت الأضواء الساطعة ، توقفت العربات عن الحركة، وضع الكلاكيت لوحته التي يطرقها باستمرار بعد أن يكتب عليها كل مرة راقماً جديداً بالطباشير سكتت الموسيقى ، اتجه المساعدون إلى الممثلين الكبار لمساعدتهم على مسح الماكياج، جمع المخرج أوراقه المبعثرة واتجه يحدث الجميع بعد ان كاد يسقط من السلك الكهربائي الذي كان يسحبه أحد العمال لحظتها. أخبرهم بين سكان القرية قد تجمعوا بالخارج رغبة منهم في مصافحة الذين شاركوا في الفيلم والأحتفاظ بذ کری، وأن ذلك سوف يجعلهم يتأخرون لمدة ساعة ونصف على الأكثر. دفع لهم أجرة التأخير مع المبلغ المتفق عليه وثمن تذاكر السفر بالقطار.
قال له بشكل شخصي:
- تستطيع أن تحضر كل يوم اربعاء إلى استوديو هامبورغ فقد تحتاجك في بعض الأدوار
   عندما خرجوا من الباب الخلفي للفندق كان طابور طويل ممتد في خط متعرج يجمع بين الألوان والسنوات المتفاوته . وجوه بيضاء محمرة من أكل لحم الخنزير، وابتسامات قروية بلهاء لاحظ أن بعض گبار السن كانوا يرتدون ثياب أعراسهم التي احتفظوا بها على ما يبدو للمناسبات الهامة. كان ابو سوزي يتدحرج أمامه في خط حلزوني متراقصا قافزاً أحيانا صارخاً وعندما تمد له إحدى العجائز اوتوغرافها ليوقع لها يزيح يدها تحوه قائلاً : 
- هذه من نصيبك. دون أن يترك له فرصة لوجه شابة جميلة إلا بالصدفة ، وكان يمد يده إلى الوجنات قارصاً بظهر أصابعه، مستلذا بلحسها من بعد بلسانه مشهد : آه یا….

وطن عربي واحد

كان يكتب في البداية عبارات انشائية مثل "للذکری" ، معتقداً أن أحداً ما سوف يترجمها يوما، ولكنه عاد حذق فيما يكتبه أبو سوزي ، أضحي يقلده أيضاً ويخط ما لا معنى له صارخاً مثله كلما انبثق ذهنه عن عبارة مردداً إياها مثل أصدقائه بصوت عال صاخب:
وطن عربي واحد
شعب عربي…..
فيكمل الصديق الأردني
قهر عربي واحد
سجن عربي
    فيردد الجميع "واحد" فيما تعلو وتهبط بد أبي سوزي وكأنه يقود اورگسترا.كانت العيون الأخرى مندهشة للثلاثي الذي يخط كلماته من اليمين إلى الشمال متراقصين ، بينما حاجبا أبوسوزي الغليظين مثل"شرائط"، شاويش، والداكنان كقطعة قطيفة سوداء ، يتلاعبان في حركة شبقية أمام كل فتاة مكتنزة
في القطار العائد إلى هامبورغ كان يتسلى بأغنية والدته الحزينة مستمعاً للقطار الذي يئن بها:
غريب في بلاد الناس قليل وين يفرح خاطري. وعندما جلست الفتاة الهندية بجواره، أخرج كراسته ووضعها على حقيبة اليد التي نزع أبوسوزي عنها خريطة ما تحت خط مدار السرطان، وأمسك قلمه ليكتب بخط كوفي هارباً من عطر الهندية النفاذ. هذا البلد لا يقبل أن تكون في سمائه نجوم، المفروض ان يتحول الجميع إلى أرقام
من لا يقبل ذلك سيفقد الراحة
من يقبل سيفقد نفسه.
في الغربة تفقد كل شي.
__________
*سبق النشر في مجلة الناقد ،العدد(48) ، السنة الرابعة، يونيو 1992

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -