أخر الاخبار

امرأة واحدة ..للقاص بشير زعبية

امرأة واحدة ..للقاص بشير زعبية


 كانوا ثلاثة 

هذه هي الحكاية ياعبد الله .. عندما نزلوا كانوا ثلاثة.. والناس الذين رأوه قالوا: فاجئوه حتى سقط من ضربتين على الراس.. ستة أرجل داست صدره والمنطقة الوسطى من جسده الممد قهرا.. والناس الذين رووا الحكاية قالوا أيضا:  أحمد بقى على حاله ساعة.. أما هم فركبوا السيارة.. والسيارة لم تكن غريبة ياعبد الله وقد ميز الناس وهم في موقعهم ذاك صوت موسيقا من جوفها وكان ثالثهم منكبا يربط حذاءه …

في هذه الساعة المتأخرة من الليل وعبد الله الذي كان وحيدا تذكر أشياء كثيرة.. وفي هذه اللحظة بالذات شعر انه شیء تافه وداهمة شعور بالضالة.. ولحظة افتعاله النوم تحولت صورة أحمد ، المدينة التي عرف .. وكانت خالية في ساعة كادت تلتصق فيها الشمس بسطوح البيوت وأرضها.. وفجأة دوى صوت بوق عرفه في الاساطير ورأى فجأة أيضا الناس الذين يعيش بينهم وقد خرجوا طوابير ليس لها حد من البيوت جريا ومن النوافذ قفزا وكل يحمل هراوة وحجرا ولاطفل بين الصفوف ولا ابتسامة.. 

المدينة

التقت طوابيرهم في ساحة المدينة فاعتلى الضجيج وصار اصطدام الهراوات بالرؤوس واختلط الصياح بقرقعة العظام وسالت دماء غزيرة.. ومن بين الصفوف رأي عبد الله قوما قلة لا جسم يصدمهم ولا بقعة في الثياب ملوثة... اختفوا ثم ظهروا وسط الحشد يقهقهون .. عرفهم عبد الله جيدا وكانت صورة أحدهم معلقة على الجدار مبتسما.. اصطكت اسنان عبد الله عندما غاب المشهد ومد اللحاف على وجهه وود أن ينام حالا... في اليوم التالي كان شوق عبدالله لرؤية المدينة طاغيا كأنما غاب عنها عاما.. خرج فاحتواه شارع المدينة المغبر ورائحة السوق العتيق وكأنه اكتشف جديدا..

هاهم أناسه على حالهم لم يتبدلوا، يسعون وراء الرزق ولم يقصروا في طاعة أولى الأمر، خيارهم الفحل ومن ينجب الذرية.. وهاهو اكتشاف أخر.. لاحظ عبد الله أن ليس في الناس من حوله من كان صامتا.. كلهم كانت أفواههم مفتوحة.. يتكلمون وكأن ليس لأحدهم علاقة بما يتكلم الآخر.. قبل أن تأخذه غرابة المشهد تحولت اكتشافاته الى خيبة أحس انه يبتلعها غصبا مع ريقه الخاثر..

للمرة الأولى تذكر عبد الله أنه من سكان هذه المدينة وأنه ماعرف غيرها.. ثلاثون سنة وامه ماغادرتها حتى مشى خلف نعشها…

وأبوه كذلك... الآن ومع هذه المرارة في الحلق لابد أن تتذكر.. احمد ذهب وقرأت في وجهه أن موعدا بينكما لن يطول .. وفاطمة مع الفجر غابت .. قال أحمد مرة ستشتاقون إليها ... مامن بيت في هذه الا وعرفته سجنا.. حتى أنت ياعبد الله في بدايتك.. الان ومع رعشة الصحوة وارتجاف القلب معها أدركت كم هو فظيع أن تفتقدوا وجهها..

فاطمة

وفي ركن قصي عند بوابة المدينة وتحت نقش يحمل تاريخها القديم جلس عبد الله .. واذ طغى طعم المرارة في حلقه عاوده الشعور بالضآلة وتمنى لو يسقط الآن ميتا أو يمسخه الله حشرة او ورقة خريف يابسة تجيء مع الريح تحت هذه الأقدام التي لاتعرف لسيرها وجهة ...

وفي الوقت ما بين لحظة الشد اليها وروعة الشعور رآها عبد الله ... كانت فاطمة في ساعة مخاض تلهث وأقدامها تغوص في رمل أحرقته الشمس وابتلت خصلات من شعرها... تهدلت فوق الجبين والعينين ونزت خيوط عرق ذابت مع زبد أبيض أحاط شفتيها.. أبكاها تعبا بطنها المنتفخ مع كل خطوة في الرمل المحروق.. ثم رأها وقد اطمأنت لظل نخلة وانزرع في قلبها فرح.. وعلى خط الظل جلست .. مدت ساقيها واستندت إلى الجذع... وجاءها خاطر فشیعت بصرها إلى فوق واذا برطب أصفر اشتهته... وماكان لها من وسيلة فهزت بجذع النخلة وعاودت حتى سقطت ولم يسقط الرطب او تهتز في النخلة سعفة.. ثم غابت عن عبد الله صورتها وهي على ظهرها فيما تقوس خط الظل على بطنها فكانت ساقاها في الشمس ورأسها من الناحية الأخرى جاحظة العينين نحو الثمر فاغرة فاها وقد ازدادت رقعة الزبد الذي أحاط فمها..

ثلاثون عاما ياعبد الله .. الأن وأنت ترى يأسا قاتلا يتوزع في شرايينك ويصير في القلب احباطا يتراكم تترسخ فيك القناعة بأنك كتلة خشبية منخورة ستبيد وتتحطم إذا ظلت غائبة ويتداعى في رأسك ما قاله أحمد مرة: آسيا " ليس سهلا عشقها والمدي أمامك فخ.. سجن ... من الماء إلى الماء.."

غيمة

ولما كانت غيمة بين قرص الشمس ومدى الرؤية في محيط عبد الله غمره ظل شاحب وقالت نفسه: ما رأيتك متشائما مثلك الساعة.. وكان مع كل خطوة يحتويه السؤال : كيف سترحل باحثا وانت تحمل يأسا وتدرك أنك مهزوم قبل أن تبدأ الرحلة؟.. كل فرد فيكم كما قال أحمد صار يحمل هزيمته في داخله.. قد لا تخيفك المجابهة لكن الخوف كل الخوف استعدادك لأن تهزم...

وهو في طريقه والغيمة اجتازت القرص المتوهج في قلب السماء وصوت ريح يخرج من بين شجيرات جافة وجذوع نخيل على الجانبين نسج رأسه صورة.. هاهو عبد الله ... فأرسل يقود جيشا نحو مدينة ما انفتحت أبوابها قرونا وقد أخبروه أنها تحمل كنوز الأرض وزهورها.. تغازل الشمس طول النهار وفي الليل ينام في حضنها القمر و تنسج حكايات عشق مع الغيوم والمطر.. وهاهو عبد الله يلكز فرسه فينطلق سهما لن يوقفه غير باب المدينة.. وهاهو جيشه من ورائه يحمل عشقه للفتح القادم…

لكن عبد الله الذي اعتاد طعم الخيبة من جمح به الاشتياق لأن يضحك يلتفت، فیری جيشه بقايا جيش فقد عتاده ولا خيل يحمله وقد تأصلت على وجوه أفراده صورة للهزيمة.. ثم هاهو يحس ان وهنا سكن داخله ويشعر أنه شاخ الآن فجأة وصار لايملك حصانا فيما تتباعد صورة المدينة الحلم وتختفي أبوابها ولايرى عبد الله غير حقل من الحجارة والعيدان الجافة وأنين بقايا جيشه يتناهى إليه من بعيد..

البرية

في هذه اللحظة وهو يطرد الصورة هبت ريح أحدثت صوتا - رآه حزينا - أتى بنباح كلب ثم سرعان ما اختفى الصوت تدريجيا وتلاشي معه النباح... ومرة اخرى كأنما صارت أطراف المدينة اكتشافا شده منظر بئر قديمة ونخلة مقطوعة الرأس، ذكره المنظر بحلم قديم.. وعاد يتذكر وجه فاطمة.. وهذه اليابسة في المسافة بين الماء والماء..

وحانت التفاتة الى الخلف فرأى أنه قد قطع شوطا باتجاه البرية وانه ابتعد عن المدينة بحيث بات في امكانه رؤيتها وقد تجمعت في نقطة واحدة وكأنها داخل إطار لوحة مرسومة.. ولاتنتهي اكتشافاته، فهاهو يرى مدينته وقد فقدت ملامحها بل انه لم يعد يستطيع تحديد لون معين لجدران المدينة وأبوابها وأشجارها وأعشابها.. ثم ما هذا الظل الذي يزحف نحوها فيصبغها بلون موحد قاتم أقرب إلى الحزن او كأن الشمس قد غابت فجأة بدون مقدمات.. اجتاح عبد الله رعب عزیزی إزاء المشهد سرعان ماخف وتحول الى قشعريرة اهتز لها جسده.. وفكر بنفس الغريزة أن خارقة ستكون الذروة الآن وليس أمامه الا الركض في اتجاه معاكس ..

 لكنه أحس في هذه اللحظة أن حنينا غريبا للمدينة غمره فجأة وأن تفسير هذا الشعور قد يفوق حجم التفكير فيه.. هذه الحالة جعلت عبد الله يشعر أن ثلاثين عاما من عمره تتجمع الآن امام عينيه و تمر كشريط مرئي ورغم السرعة الخاطفة التي توالت على نحوها المشاهد الا أنه استطاع أن يميزها، ربما لأنه بات يحفظ تفاصيلها او هی صارت قاسما مشتركا لمراحل حياة كل مخلوق مثله فوق هذه البقعة اليابسة.

كل هذا يدركه عبد الله جيدا، لكن الأمر المذهل الذي وقف له شعره هو أن وجه فاطمة كان حاضرا في كل مشهد .. وحاول أن يستعيد تسلسل المشاهد .. هي ومسحة الفرح الحزين على الابتسامة والعينين.. كيف غاب عن انتباهك هذا الأمر العظيمة عمرا کاملا ياعبد الله؟.. ثم ماهذا الذي يحدث امامك الان وانت لست واهما أو خاضعا لكابوس؟.. مابال المدينة أو من ذا الذی سقاك سحرا وله مصلحة في أن يجعل يومك الطويل هذا اكتشافا ورهبة واختلالا في الرؤية حتى انك صرت تعتقد أن مسألة الاحساس بالزمن والمكان لم تعد أمرا مجديا بل ليس لذلك علاقة اساسية بنظام الكون..

 شيء ما طغى مع الظل الزاحف وبدأت تتحلل فيه تفاصيل المدينة، وهاهو الشيء يزداد وضوحا وتندمج فيه وتبهت ثم تذوب بقية التفاصيل .. ويراها عبد الله بجلاء... وغمرته انشوة خاف على أثرها آن قلبه قد يقفز بعد قليل من حلقة فرحا.. فاطمة مرة اخرى وقد اختفت الفواصل والحدود بين محيط وجهها وهذه المساحة الكونية التي تسمى أفقا ثم رأها بحركة بطيئة ساحرة تلوح له باحدى يديها.. ولم يعد لديه مجال وقت للتفسير فركض وكلما اقترب نحوها اكثر استعد لأن يرمي بجسده في حضنها ويدفن وجهه في دفء هذه الخصلات التي صارت الان الحيطان والشوارع والأشجار...

ظاهرة

ومن أتيح له رصد المشهد بعد ذلك سيروي كيف أن الضحك صار من معالم عبد الله وأن ما من تجمع لسكان المدينة إلا حضوره طاغيا فيه.. وصار عبد الله باتفاق الجميع ظاهرة.. في الشوارع وطرقه على الأبواب.. وحديثه..

بعضهم شخص حالته بأنها أقرب الى نوبات الجنون، و أخر رجع الى كتبه القديمة عله يقتنص في بطنها واقعة مشابهة في تاریخ الاسلاف... وبعض ثالث كان يرى في حديث عبد الله شيئا يشده.. أما هم ويستطيع هو أن يميزهم جيدا فلم يكونوا بحاجة لجهد خارق کی يفهموا هذا السلوك المقلق كما وصفوه اولا ثم عدوى ستسشري، في الأيام التالية... لذا قرروا أن هذه الظاهرة تأتي في نطاق مخطط معاد يدبر ضد البلاد، وإلا فما تفسير التمرد والخرق المعلن لقوانين الضحك والتنفس وتجاهل عبد الله ان لهذه الأشياء مناسبات وضوابط حددها القانون العام.. 

كانوا أكثر من ثلاثة

وفي هذه المرة كانوا أكثر من ثلاثة عندما نزلوا من السيارة، والناس الذين رأوه لم يدركوا أنهم فاجأوه متلبسا وانه ربما كان عندما اخذوه في تلك اللحظة يحلم بها تناديه فيلوح لها مبتسما ثم بضحكة معلنة.

... ورغم العتمة الدائمة في المكان وضيق المسافة ويقظة الحرس الأبدية كان عبد الله يراها، وكانت تجيئه بين مساء وآخر وكان أحمد يزوره فيقضون وقتا لا تستطيع ذاكرته أن تحدده وثلاثتهم يمشون متشابکی الايدي حتى اذا ادركهم تعب جلسوا مستندين الى الجدار واستسلموا لغفوة حالمة.. وكان عبد الله يدرك انهد يرصدون هذه الأمسيات المسروقة، فقد اخبروه بذلك ولم يصدقهم في الأيام الأولى .. حتى عندما أخذوه في منتصف تلك الليلة عارياً وهذه الشهادات الموقعة من كل بقعة في جسده.. لم يصدق... الے ان كانت ليلة فاجأوه بعدها بكشف دونت فيه جميع أحلامه.. فقد ما كان يحزنه هو حرصهم المستميت في حجب اخبار المدينة عنه فكان كل صباح يشتاق لأن يسمع خبرا عن سكانها.. 

لذا فمؤكد أنه لايدري الان أن بعضهم يستطيع بمنتهى الدقة أن يحدد الزمن الذي مر على اختفائه وبعض آخر صار بنشی يرسم على الجدران والرمل وجذوع الشجر وعلى ملابس الأطفال ملامح صورة مشتركة لامرأة واحدة ...

تمت









تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -