أخر الاخبار

صبراتة تهرب، وخرافات الكمان الحجري.للشاعر عاشور الطويبي

صبراتة تهرب، وخرافات الكمان الحجري.للشاعر عاشور الطويبي

صبراتة تهرب

ها أنت ذا الآن تجلس في مقهى بصبراتة.
خمس فتحات في الحاجز الحديدي خمس فتحات
تماما.
تلم الجانب الأيمن من المسرح الروماني تشرب قهوتك المرة.
"لشفة الكأس كلام وذاكرة" يقول صديقك
"من يدري لربما كان السائق يعرج قليلا"
ماذا في ذلك؟
قريبا من المرأة صورة ديانا حداد يبدو عليها
التعب، ترمس الشاي يغطي نهدها الأيسر.
"لا بأس على الشاي أن يكون ساخناً"
الكونت بيزي يعزف قفزة الساعة الواحدة
الكونتربيز يهيء الساحة للقفز دم بم دبم
فيما يصيح الترمبيت بصوت مبحوح.
يجب أن لا يستفيق ظل الحديقة، عليه أن يميل
فقط . تنزل ستارة نافذة, تطفأ شمعة
ويقترب جسدان يلتهبان.
الفتي رائع كما ينبغي أن يكون.
لم ير غير أشواق صغيرة تركض مرتبكة.
عل هذا الجسد المعذب يهدأ،
عل الخيالات تغوص عميقا،
عل المدائن التي رحلت لا تعود،
عل الصباح يأتي ......
يهز رأسه النادل التونسي
"رادس بعيدة الآن لم تكن كذلك من قبل
اشطيح وخلاعة، إثنين مكياطة
واحد کابوتشينو. من طلب الشقائق؟
عيش خويا.
رادس لم تكن قريبة أبدا"
ها أنت ذا الآن تقرأ طالعك
على صخر قديم
وانحراف جسد قدیم
غلبه هدوء الكونترباز .
قفزة الساعة الواحدة انتهت.
___________________________________________________________________________________

خرافات الكمان الحجري

(I)

أصنامك
قد تتعدد،
قد تشيخ ولا تموت، 
قد تبول واقفة أو مقرفصة،
قد تشرب الخمر فيفيض الكلام،
قد تسير منتصبة إلى أعلى الجبل،
قد تشنف آذانها لتساقط أوراق الغابة،
قد تفسح الطريق لظبي صغير خائف،
قد تلمع عيونها لأن أما تدغدغ وليدها،
قد تكون كمان من حجر.

(II)

منذ أربعين قرنا وقفت قرب المعبد،
يداها مطويتان بفخامة ملكية على خصر لا سمين ولا ضامر.
طعم الرمان الأحمر يملأ فمها، يكاد يلهيها عن الجياد تدخل واحدة بعد الأخرى.
لن تنشغل بفيض النور المتصاعد من أعلى المذبح
 ولن تقلقها وشوشات الكاهنات ولا هدير البحر وراء التلة العالية.
بهدوء الساميات تتحسس نهديها وتنشر في الفضاء
فراشات المطر.
ستضحك واقفة- وتخلع لحاف البرد عن الليل.

(III)

"سأذهب للقصر" 
قال الجندي العائد من حرب خاسرة. 
"سأقف تحت شرفة الحاكم، لن أرجع حتى يراني
سأخبره عن القتل بلا معنى، الأجساد المشوهة 
مغمورة في رمل الصحراء". 
الضباع الشرهة تتعارك على الوليمة. 
الأحلام الصغيرة والكبيرة التي لن تتحقق،
الذكريات الحميمة تبعثرت في حلوق الطير، جيف 
الكلمات بلا أصوات، القلوب رقيقة كهواء الصباح
أخذتها ريح الوحشة بعيدا في الخلاء.
لو لم يسمعني سأعلن أني: 
"أنا الجندي العائد من حرب السلطان المجنون".

(IV)

في الظل
قرب الباب الحجري الواسع
 قرب الدرج الرخامي 
يكون الجلوس في صمت:
للأرق المضني للغناء الشبق للرعشة اليافعة
 ولانفلاتة الضب.
لعل المذبح الحجري بقرنيه الطويلين سيخبر عن 
هذا وغيره.

(V)

نار ليالي الشتاء الطويلة، توقد خرافات الطين.
على صهوة الخيال المتهتك، حيات الشهوات
الرابضة تبيض ريحة ناعمة الجسد.
تفوح الرغبات في الفضاء الشاسع وتهتز القلوب
التي في الصدور.
ليس ثمة من نابض في السماء يدفع بالشكوى أبعد
من حاقة الغابة، ليس ثمة ماء جبلي يبلل وجه
الصحراء، ليس ثمة من وراء يرجع للضحكات
وجهها البهيج ولا أمام يقذف بالنشاب أحلام الفتيات
العذارى.
ليس ثمة شيء غير نهار يبول.

(VI)

للقدح الحق في أن يحتفل بالدائرة،
بالخطوط على معصم الفتيات الصغيرات، بالنقطة
تفور متباهية ، بالنوارس تلقف الحب، بالحليب
ترتجف له ضروع الماعز الجبلي، بالقلق العظيم
يبلل حواف الدائرة.
الدائرة مبتدأ العالم.
الدائرة مبتدأ العالم.

(VII)

أهذا طائر السليو؟
رأيته يعب الهواء كما يعب السكران الخمر.
يسقط طائر السليو في بئر الرغبات في بئر 
المحرمة. 
بمنقاره يزيل حصى من على صدره. 
لا توسوس له نفسه بالنجاة، لا يستجلب من خزانته
رائحة الماء، لا يمد قدميه يتحسس الهو العميق
حوله.
ما يفعله هو أن يغمض عينيه ويغرق في النسيان.
هذه السمكة الملكية رأيتها تحرك ذيلها في غنج،
في غرفة بلا أنفاس.
الأخطبوط المتوثب يحمل تاجه في أبهة.
في كل يد وردة بحرية وفي كل قدم محار أحمر.

(VIII)

في حجرة فارغة إلا من زیر فخار وأرضية ترابية
 ونافذتين عاليتين مغلقتين بحجارة حزينة، تقف
المرأتان تحملان قارورة زيت وقارورة عسل.
من خاصرتيهما يسيل البحر صافية أزرق.
على كتفيهما تتدلى خصلات الشعر الأسود طويلة
ناعمة، وعلى رأسيهما غيمتان تمطران زيتاً
وعسلاً.
 في حجرة فارغة إلا من زیر فخار وأرضية ترابية
ونافذتين عاليتين مغلقتين بحجارة حزينة، يقف
الرجلان يحملان طيناً وناراً. 
من خاصرتيهما تنهض العنقاء بريشها الذهبي
وذيلها المزركش.
على كتفيهما تتدلى خصلات الشعر الأسود طويلة
ناعمة، وعلى رأسيهما غيمتان تمطران طيناً وناراً.
.

(IX)

على الطريق المنحدر من الجبل تنزل النسوة 
يرقصن ويرفعن بالغناء أصواتهن. الأطفال خلفهن
 يصيحون فرحين و عالية تصعد الأعلام الملونة.
عالياً في السماء يصعد الوعد المقدس وترفرف أجنحة. 
في الطرف الغربي من الوادي حيث تميل الشمس
على غابة.
في الطرف الشرقي من الوادي:
سنابل قمح وسنابل شعير على امتداد جناحي طائر
كبير. 
ماذا يتبقى للأرض حين تطير السنابل 
وفي السماء يلتقط الحب الطير؟
يتململ الوادي ويمد وجهه لشمس تصعد على مهل.
.

(X)

السيدة الجالسة على الكرسي:
أنفها أطول من الحاجة إليه. 
رقبتها ناعمة ومنحنية أكثر من الحاجة إليها.
عيناها كبيرتان واسعتان سوداوان أكثر من الحاجة
إليهما.
 شعرها متموج و هائج وقصير أكثر من الحاجة
إليه.
كتفاها بارزان مليئان أكثر من الحاجة إليهما.
ما تبقى من السيدة الجالسة على الكرسي طال 
أو قصر، زاد أو نقص، سمن أو ضعف، سيكون
في مستوى الحاجة إليه ولقرون عديدة.
طوبى لها ولأشيائها.

(XI)

لو كنت طائرة لأخترت أن أكون برأسين: 
واحد في اتجاه الغرب وواحد في اتجاه الشرق.
 بجناحين: واحد للصيف وواحد للشتاء 
بذيلين: واحد للهواء وواحد للماء 
ومن القلوب قلبا واحدا فقط: لأطير في الفضاء الشاسع.

(XII)

الطائر الوعل بجناحيه الذهبيين ومنقاره الأسود
يقف كل صباح في فم الغابة صامتا يسمع:
شكوى الغزالة من صهد الصحراء وعواء الحجارة،
شكوى أزهار عباد الشمس من تدخل السحب
الداكنة، شكوى العليق الطري من عناكب الجبل
شكوى الحرباء ترهقها قطرات الماء،
شكوى الزعتر البري تبول عليه الذئاب البرية
شكوى الخنافس تبيض في العراء في خوف.
كل صباح يدق الطائر الوعل بقدمه الصخرة
الصلبة وينطلق إلى أعلى صائحا:
لا جدوى، لا جدوى.

(XIII)

الذئب الذرة، الذئب السمكة، الذنب الخنزير
البري. كأن ألحان الساقية لم تعرف خطواته
الرشيقة، كان البادية لم تسجل على رمالها نزول
منيه الشفاف.
كأن الصيادين لم يفكروا في ألف طريقة للإمساك
به. قال لنفسه حين مزقت أسنان كلاب الصيد
الحادة أطرافه وارتمت قاسية شبكة المطاردين
الماكرين على جسده:
يأتي الموت في صورة بازلاء خضراء يجللها ندى
بارد خفيف أو في صورة قنفذ هرم نحيل في ليلة
شتائية قارسة أو في صورة غيبوبة ينتصب لها
غرمولك. لعله كابوس ولعله واقع مشوش. إنك لن
تعرف حتى لو سال مخاط أحمر من أنفك أو فقدت
الأرض رائحتها.

(XIV)

هو أبو الهول كما وصفته الكتب السرية:
بتاج من الرمان الطري الأحمر، بلحية مهيبة
مصبوغة بالحناء المغربية، بجناحي فراشة
يرتعشان حين تسقط عليهما شمس الصباح، بأزهار
البشنين ترفع رؤوسها عالياً لتحاذي رقبته النافرة،
بالذيل يهتز يمنة ويسرة في أبهة أمام الصبايا
الصغيرات، بالصولجان على يمينه تشده حية بكر.

(XV)

يدها مزمار الآلهة تعزف:
انهمار المطر، تشقق الصخر، عواء الذئب، نباح
الكلب، هسيس الريح، نقيق الضفادع، خشخشة
الأوراق المتساقطة، زفير الشيخ الراهن، حمحمة
الفرس الجامحة، فحيح الافعى، ضحك الرضيع،
بكاء المظلوم وصراخ الطاغية.

(XVI)

كلما عمروا بيتا أضافوا له نقشاً عصي الفهم.
كلما رسم الفنان إلاهة الخصب جعل بطنها منتفخاً.
كلما تسابق الفتية في إظهار فحولتهم كانت المخيلة
هي المنتصرة. كلما حاربوا تقلبت قلوبهم على النار
التي أشعلوها لأعدائهم. كلما اغمضوا عيونهم
تصاعد من الأرض عمود من الدخان الداكن. كلما
تناكحوا قرب الماء غطاهم موج المحبة. كلما
سكتوا تكلمت جلودهم وأيديهم وأرجلهم وفضحت
خطاياهم. كلما تقدموا التفتت جوارحهم إلى الوراء.
كلما ناموا انفتحت دفاتر أسرارهم.
هؤلاء القوم
هم الوارثون خزائن الحيرة العظيمة.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -