أخر الاخبار

تجنيب إيرادات النفط.. للمهندس جادالله عزوز الطلحي

 تجنيب إيرادات النفط.. للمهندس جادالله عزوز الطلحي 

في البداية

    يجب أن نعرف - بداية - طبيعة السؤال المطروح. ونتفق على المقصود بكلمة " تجنيب " وتعبير إيرادات النفط " ، إذ يبدو لي أن (هناك من ذهب فيهما مذاهب مختلفة ) 
أي إيراد نعني ؟
... هل هو إجمالي حصيلة البيع العائد للطرف الليبي من مبيعات النفط والغاز ؟
هل هو صافي العائد للطرف الليبي بعد خصم متطلبات عمل الشركات تشغيلاً واستشماراً؟ هل هو عائد بيع الخام نفطاً وغازاً؟ أو يشمل بيع المنتجات داخليا وخارجياً؟
سلسلة الأسئلة يمكن أن تطول ولنفترض أننا حددنا المقصود بإيراد النفط ، وليكن هو صافي مبيعات النفط والغاز ومنتجاتهما بعد خصم متطلبات عمل الشركات .

ما المقصود بالتجنيب ؟

هل يعني أن يبقى الإيراد (با لمعنى الذي اتفقنا عليها بعملة البيع (بالدولار) خاضعا لترتيبات معينة، ولا يستعمل في أغراض الميزانية العامة ومتطلبات الاستيراد والتحويل ؟
هل يعني أن يسجل هذا الإيراد بعد استلامه من قبل مصرف ليبيا المركزي بالدينار الليبي لصالح الجهة المعنية، ويحظر استعماله لأي غرض من قبل الدولة أو يضاف إلى الاحتياطي العام ؟
التصورات لما يمكن أن يعني " التجنيب " كثيرة ولكن لنفترض أننا أمام الخيارين اللذين ذكرناهم .
يعني الخيار الأول ..... منع استعمال إيرادات النفط عن الاقتصاد الوطني
ويعني الخيار الثاني ..... منع استعمال إيرادات النفط من قبل الدولة في أوجه إنفاقها المختلفة
ما الأثار الناجمة عن كل واحد من هذين الخیارین؟ بلغة أكثر مباشرة , هل هما ممكنان عمليا؟
للإجابة عن هذا السؤال يجب التذكير بالحقائق الآتية:- 
  1.  پسهم النقط بحوالي 30% من الناتج المحلي الإجمالي ، وإسهامه غیرالمباشر في هذا الناتج أخطر و أبعد أثرا.
  2. يمثل النفط أكثر من 70 % من موارد الميزانية العامة للدولة ، وتتأثر به الموارد الأخرى لهذه الميزانية .
  3. تمثل الصادرات من النفط الخام والغاز ومنتجاته حوالي 99 % من الدخل من العملة الصعبة .

آثار تجنيب إيرادات النفط

على ضوء هذه المعطيات .... ما آثار تجنيب إيرادات النفط؟

الحالة الأولى

في الحالة الأولى (حجب إيراد النفط عن الاقتصاد الوطني ) ، أمامنا ثلاثة إمكانات للعمل للاستمرار)
  1. أن تعود على الاحتياطات من العملة الصعبة في مختلف صورها ... وهي كافية لمدة مؤقتة ، وهذا يعني عمليا أننا لم نجنب
  2. أن نلجأ إلى الاقتراض سواء قبل استنفاد الاحتياطات أو بعده - والنتيجة العملية للاقتراض في تجنيب بالسالب ( أي خسارة حقيقية ).
  3.  أن لا تلجأ إلى الاقتراض ... ولا تعود على الاحتياطات وهو ما يعني شللا اقتصاديا کاملا .
 وستكون الأثار بكل أبعادها سريعة ومباشرة . سيحدث انهيار سريع يؤدي إلى عكس النتائج المتوخاة . وسنهرول بعد أمد قصیر محاولة تدارك العواقب ... وقد لا يكفي كل ما جنب لتدارك هذه العواقب 

الحالة الثانية

في الحالة الثانية (حجب إيرادات النفط عن مختلف أوجه إنفاق الميزانية التسييرية و الاستثمارية) ومواجهة مصروفات الدولة من الموارد الأخرى غير النفطية وهي الضرائب بمختلف أشكالها .توجه منطقي .... فكل الدول - بالمعنى المسؤول للكلمة - تواجد مصروفاتها من الضرائب . وكثيرا ما تواجه الدول أوضاعا لا تتعادل فيها الميزانية فتلجأ إلى أساليب أخرى من التمويل مثل الاقتراض والتمويل بالعجز ، ولكن تبقى تغطية موارد الميزانية من الضرائب هي القاعدة

النتيجة

هل يتأتي هذا في الحالة الليبية؟
يمكننا على ضوء ما سبق التاکید  على أنه ، لا يمكن على المدى القصير وحتى المتوسط - الاستغناء الكامل عن إيرادات النفط لمواجهة نفقات الدولة معطياتها الحالية - بالرغم من ارتفاع معدلات الضريبة في ليبيا ارتفاعا غير عادي إلا أن عائدها منخفض جدا إذا ما نسب إلى الناتج المحلي الإجمالي , هناك خلل جسيم لابد من البحث عن أسبابه وتداركه . وليس صحيحا ما يذهب إليه البعض من أن أي تخفيض في معدلات الضريبة يعني - ضرورة - انخفاض دخل الدولة منها بتحرير ميزانية الدولة من الاعتماد على عائدات النفط هدف يجب أن يسعی البلوغه .
لكن ، هل يتأتى تحقيق هذا الهدف فجأة ؟ هل يمكن أن يكون تحقيق هذا الهدف موضوع قرار يصدر اليوم ويطبق غدا أم أن الأمر يتطلب خطة قد يطول مداها إلى عقود ؟
يغطي الدخل من النفط حاليا ما لا يقل عن 70% من موارد الميزانية ... بشكل مباشر . ومن ثم لا يمكن خلال سنة أو بعض سنوات تصور مواجهة نفقات حتى الميزانية التسييرية دون اللجوء إلى دخل النفط .
هناك احتياطي عام ولكنه بخلاف الاحتياطات من العملة الصعبة لا يكفي للصرف العام إلا لشهور قليلة
عليه فإن حجب إيرادات النفط عن الميزانية العامة للدولة يعني عجزاً على المدى القصير جدا عن تأدية الخدمات - وهي في حالة لا تسمح بمزيد من السوء - ، وتوقفا كاملا لمشاريع التنمية مع ما ينجم عن ذلك من مشاكل قانونية وخسائر مادية ، واستفحال الركود الاقتصادي بما له من عواقب اجتماعية خطيرة .
يتضح جليا مما سبق أن تجنيب إيرادات النفط - بأي من المعنيين اللذين قصدناهما أعلاه - لا يتأتيان عملياً مهما بلغ تصميمنا واصرارنا إلا إذا قبلنا بمخاطر مؤكدة ذات عواقب وخيمة ، وأننا لا يجب أن نفكر - مجرد التفكير - في حجب كامل الدخل من العملة الصعبة من مبيعات النفط عن الاقتصاد الوطني
فسلامة الاقتصاد ... وسلامة الاستقرار الاجتماعي .. وسلامة الدولة تتطلب استبعاد مثل هذا التفكير ، بل يجب أن نعمل على توظيف هذا الدخل توظيفا راشدأ بهدف تنويع مصادر الدخل , وعلينا العمل بتصميم مسؤول وفق خطة طويلة الأمد على تحرير ميزانية الدولة من الاعتماد على الإيرادات المباشرة للنفط .. وفي أسرع الآجال .

تجنيب جزء من عائدات النفط

وختاماً ، أقول مستشعرا نیل قصد من يطالبون بالتجنيب ، مدركا الدوافع والبواعث، لكن نبل القصد وجدية البواعث لا تغنيان عن صحة الوسائل والأساليب ..، واختيار الوقت الملائم لإعمال هذه الوسائل والأساليب .
أتفق ، بل وأدعو بإلحاح إلى ضرورة تجنيب جزء من عائدات النفط سواء في شكل أموال من العملة الصعبة توظف وفق ترتيبات وشروط تضمن نموها ، أو في شكل تعظيم الأحتياطي العام للدولة . وإلى جانب هذا الادخار لجزء من إيرادات النفط يحدد على ضوء رؤية . هناك ضرورة ملحة لتنمية هذا المصدر الطبيعي ووضع إستراتيجية لاستخراجه تأخذ في الاعتبار سلامته واستمراره لأطول مدة
أي أن التجنيب يجب أن يأخذ الشكلين معا . تجنيب من العوائد ، وتجنيب من الإحتياطيات النفطية ذاتها .
ما البواعث التي تدفع لادخار جزء من عوائد النفط المالية ، وادخار جزء منه ؟ في تقديري هناك ثلاثة بواعث أساسية :.

(1)  دافع أخلاقي ..... النفط مورد ناضب غير متجدد ، ويجب أن يكون شعارنا : " النفط مورد ناضب " وليس كما يعتقد البعض بعكس ذلك ، هذه هي الحقيقة التي يجب أن نبه إليها الليبيون في كل حين . وللأجيال القادمة حصة في هذا المورد - مثل ما لنا - ولابد من ادخار هذه الحصة لهم وضمان وصولها إليهم ، عملت بذلك دول ، ولعل الترويج مثل للاحتذاء.
(2) يؤسفني القول بأن أسلوب الصرف الحالي للأموال العامة أبعد ما يكون عن الرشاد في مختلف أوجهه ، فأموال التنمية تهدر في أعمال هامشية وبأسعار تضخمت بسبب سوء الإدارة وتفشي الفساد ولا يجب أن يكون هذا مبرراً للتوقف ولكنه قد يبرر التهدئة يصاحبها عمل جاد لتوفير بيئة صالحة.
(3) إننا مقدمون بعد فترة ليست بالطويلة على وضع أن تكون فيه إيرادات النفط كافية لمواجهة حتى ما نسميه اليوم بالمصروفات التسييرية , فهل نترك الأمور تسير على علاتها إلى أن يجرفنا التيار ، أم علينا من الآن - دون إبطاء الاتفاق على رؤية مسؤولة وأخذ أنفسنا بالسلوك التي تتطلبه 

الملخص

بإختصار لعل مما يمكن التفكير فيه ، أقول وأكرر، إن القضية الحقيقية التي يجب التركيز عليها في تحقيق معدلات نمو مرضیه تؤمن تنمية مستدامة وتحسنا مستمرا في مستوى المعيشة لليبيين ، مراعاة هذه الأولوية التي يجب استبعاد كل ما من شأنه أن يؤثر عليها سلبا يجب العمل على تحقيق الأتي:-
  1. ادخار نسبة من عائدات النفط المالية للأجيال القادمة وفق ترتبهات تؤمن عائداً مجزياً ومضموناً من هذه المدخرات . ويجب أن تحمي هذه المدخرات بتشريعات ,
  2. استخراج النفط والغاز وفق إستراتيجية تحافظ على سلامة الحقول النفطية وتنمية إمكانات الإحتياطيات من الموارد النقطية وتطويرها بحيث يستمر هذا المصدر لأطول مدة ممكنة .
  3. لابد من أن تعد الميزانيات العامة بشفافية وتفصيلات تذهب إلى فروع الفروع ، وتوفير أسلوب فعال لمرافية التصرف فيها ، ولعل العودة إلى نظام ديوان المحاسبة وحصر مهمته في مراقبة حسابات الدولة ضرورة ملحة .
  4. محاربة الفساد ، والحرص على كفاءة قيادات العمل ونظافة أيديها
  5. ترشيد الإنفاق ولعل أبرز متطلباته وجهان : - أن يتم الصرف التنموي في مختلف القطاعات ولكل الأغراض والمشاريع ؛ وتكوين بنية أساسية أو خدمية أو إنتاجية وفق دراسات جدوى اقتصادية رصينة . ، وبإعادة نظر سريعة وجذرية في هيكل الدولة بقصد خفض التكلفة التسییریه .
  6. تجذير بيئة محفزة للاستثمار القطاع الخاص الوطني والأجنبي ، وتوفير ظروف وشروط منافسة على مستوى أقليمنا على الأقل ، أعني أن يكون ما نقدمه من حوافز للمستثمرين أجانب ووطنيين لا يقل عما تقدمه الدول من حولنا 
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -