أخر الاخبار

طرق تخزين وحفظ الأشياء في التراث الشعبي

طرق تخزين وحفظ الأشياء في التراث الشعبي
رسم توضيحي لتكوين "المطمور"

طرق تخزين وحفظ الأشياء في التراث الشعبي

كتب : د. الهادي عبدالعال حنيش

المقدمة

…. لقد عرف الانسان منذ عهود طويلة طرقاً ووسائل لحفظ وتخزين الاشياء وان كانت هذه الطرق والوسائل تختلف من مجتمع الى آخر حسب طبيعة وظروف وامکانات كل منها.
وما فتئ الانسان يطور ويغير هذه الطرق حسب حاجة العصر الذي يعيش وعلي الرغم من أن هذا التغير الذي نسميه تطورا قد يأتي
بنتائج عكسية تؤثر سلبا على صحة الإنسان ذاته إلا أن الية العصر وحركته تحتم علينا في الغالب مسايرة ومجاراة هذا التغير وعلى الرغم من أن الطرق التي كان يستخدمها الليبيون في حفظ اشيائهم انقرض أغلبها أو في طريقه إلى الانقراض فإنها صارت جزءا من التراث الذي يجب أن نعتز به وتدرسه .
فلقد كان المجتمع الليبي كغيره من المجتمعات طرقه ووسائله الخاصة في حفظ الأشياء وتخزينها إلى وقت الحاجة إليها سأحاول التطرق بعون الله إلى بعض من هذه الطرق علما بانني انطلق في هذا المجال سابقا والآن من منطقة مزدة وقد تكون لبعض المناطق الأخري بعض الطرق الأخري المتباينة قليلاً.

تخزين الحبوب

تعتبر الحبوب وخاصة القمح والشعير، من المصادر الأساسية للمجتمع الليبي، فهي تشكل الغذاء الأساسي للمواطن الليبي ،بل إن الوجبات الأساسية كانت ومازالت مكونة من القمح والشعير وأحيانا التمر، فمن القمح يصنع الكسكسي والدشيشة والخبز، ومن الشعير يصنع البازين الوجبة المحببة لدى كثير من الليبيين، والسويقة الذي تصنع منه الزميتة، وتعطي الحبوب علفا للحيوانات، وكذلك مشتقاتها مثل التين والنخالة.
ونظرأ لهذه المكانة التي تحتلها الحبوب في حياته، ونظراً لكونها موسمية، فقد بحث عن الطرق الكفيلة بتخزينها بحيث لا تؤثر فيها عوامل الرطوبة والتعرية ولاينالها السوس، وهي طرق بدائية ولكنها عملية وحافظة ومضمونة وطريقة حفظ الحبوب تتلخص في الآتي:
بعد الانتهاء من حصادة ودرس المحصول وكيله ، ووضعه في غرائر وأكياس، لابد من نقله إلى مكان التخزين، إذ لو بقي في هذه الأوعية يصيبه السوس ويتغير طعمه مع مرور الزمن ونظرا لعدم وجود وسائل نقل سريعة وقادرة على نقل كميات كبيرة فكان مكان التخزين يختار بالقرب من مكان حصد ودرس الحبوب، أي في الوديان وبعيدا عن منطقة الحضر ومكان التخزين هذا يسمى العلفة فما هي العقلة؟

العقلة

العقلة بالمفهوم الذي كان مستخدما في اللهجة العامية تعني مجموعة من المطامير مفردها مطمور، والمطمور حفرة حلزونية الشكل قطرها يتراوح ما بين المتر او المتر ونصف ، وعمقها لا يتعدى المتر والنصف، وتبطن الحفرة بطبقة من التبن من جميع الجهات، تم يوضع بها المحصول على حد سعتها وتبطن منا أعلي بطبقة من التبن أيضا تم بطبقة من التراب ويجب ان يكون اعلى المطمور بارزة فوق سطح الأرض ويسجل اسم صاحب المطمور بالصمغ على حجرة مسطحة و توضع مقلوبة علي المطمور كما يجب أن يكون مكان العقلة في مكان مرتفع قليلا حتى لا تجرفها السيول، ولقد عاصرت شخصياً وجود العقل في منطقة مزدة وظلت موجودة حتى بداية الستينات، إلا أنها اختفت تماما الأن وهي موجودة بهذه الكيفية في مناطق كثيرة من ليبيا ويشكل أهالي المنطقة أو القبيلة عقلة واحدة، ويكلفون شخصا بحراستها مقابل ماهية تعطي له من نفس المحصول حسب الاتفاق، ويجوز لصاحب المطمور أو المطامير سحب ما يحتاج اليه اثناء العام بمعرفة الحارس.

العقلة في اللغة

وواضح أن اللفظة مشتقة من العقل الذي يعني فيما يعني الحصن وجمعه عقول، وأورده ابن منظور وقال: هو العقل وعلى الرغم من أن المعاجم لم تذكر لفظة عقلة بالمفهوم الذي أوردناه إلا أن ربط العلاقة الدلالية بين المعقل كحصن والعقلة باعتبار أنها مكان لحفظ أي تحصين الحبوب من كل خطر واضح تمام الوضوح

المطمور في اللغة

أما لفظة مطمور فهي مشتقة من الفعل طمر الشيء والاستخدام للاسم أو اسم المفعول موجود في العربي الفصيح والعامي بنفس المفهوم يقول ابن منظور في لسان العرب : وطمر الشي خبأه حيث لا يدري وأضاف المطمورة حقيرة تحت الارض او مكان تحت الأرض قد هيئ خفيا يطمر فيها الطعام والمال ای يخبأ والمطامير حفر تحفر تحت الأرض توسع أسافلها وتخبأ فيها الحبوب.
وهذه الطريقة في التخزين تقي المحصول من كافة الأضرار مثل التسوس أو تغيير اللون او الطعم وقد يبقي المحصول مدفونا في الارض لمدة عام أو عامين أو ربما اكثر، دون أن يحدث له أي تغيير أو ربما تغير بسيط بناء على التفاعل الداخلي ولكن من عادة سكان الصحراء وأهل البادية أنهم يغيرون القديم بالجديد دائما وإذا كثر المحصول تکثر بطبيعة المجال العقلات ولكن يتم استغلال القديم أولا في كل الأحوال ونلاحظ أن هذه الطريقة لا تكلف شيئا فلا سيارات النقل المحصول ولا مخازن مكلفة تحتاج إلى تهوية وتكييف معين كما أنها تحتفظ بالمخزون بنفس الجودة والكيفية الأصلية.

حفظ الماء

من المعلوم أن الماء هو جوهر الحياة ولاتوجد خلية الا و يكون الماء عنصرا أساسيا فيها،مصداقا لقوله تعالى ( وجعلنا من الماء كل شئ حي)، ومن ثم كان لزاما إيجاد أوعية تقوم بحفظه وايضا بتبريده إذا لزم الأمر، والمواطن الليبي وعبر مراحل تاريخه عرف كيف يحفظ الماء ولكل مرحلة أوعيتها الخاصة، كما أن طبيعة البداوة تحتم إيجاد أوعية سهلة الحمل وعملية، ولعل أهم وعاء لحفظ الماء ونقله وايضا تبريده هو "القربة" ، والذي ضل مستخدما إلى فترات قريبة ، وتصنع "القربة" من جلد كبار الماعز أو الودان إذ يسلخ الحيوان بطريقة معينة لايتم فيها شق الجلد أو إحداث أي ضرر به وينظف وتسد منافذه، وقد تسع القربة من 15 إلى 20 لتراً حسب حجمها.

القربة في اللغة

ولم أعثر علي هذه اللفظة بهذا المفهوم تماما في بعض المراجع العربية، إلا أن ابن منظور يذكر فيما يذكر مجموعة من الألفاظ موضحة، يمكن أن يكتشف منها علاقة دلالية مفهوم القربة إلا أن اللفظة بمفهومها المستخدم لدينا لم ترد لديه .
وهو يذكر في مادة "قرب" أن القربة من الأساقي، وينقل عن العلامة ابن سيده قوله: "القربة: الوطب من اللبن" والوطب هو شقاء اللين يتخذ من جلد الجذع فما فوقه ويقول (وقد تكون للماء وقيل هي المخروزة في جانب واحد)
ويستخدم الراعي وعاء صغيراً، ينقله معه لحفظ الماء واستغلاله خلال يوم رعيه ، وهذا الوعاء الصغير يسع مابين اللتر والنصف او اللترين، ويسمي "مطرة" ، ومصنوع من المعدن واعتقد من جانبي أن استخدام هذا الوعاء قد دخل مع دخول المستعمرين

حفظ اللحم

رغم أن أهل البادية معروفون بكرمهم وحسن ضيافتهم ويستهلكون اللحوم من خلال ذبح شياههم ، إذ لا يوجد قصابون يبيعون اللحم في كل وقت إلا أن عملية الاحتفاظ باللحم تظل ضرورية لعدة أسباب:
  1. قد يحل ضيف في أية لحظة من النهار أو الليل فسكان البوادي لايعرفون مواعيد أو طقوس معينة، ثم إن الصحراء بطبيعتها غالبة ماترمي بالناس إي مالا يقصدون ، فقد يضل شخص ما الطريق أو قد يتوه أو ربما يتعب من السفر، فيقصد أول بيت يصادفه ، وقد لا يكون الشخص المضيف مستعداً للذبح تلك اللحظة فيلجأ إلى المحفوظ.
  2.  الاستهلاك الأسر وقت الحاجة
  3.  احترام لبعض التقاليد الدينية فما زالت بعض النسوة في مزدة حتى الآن يحتفظن بما يسمي "عظم عاشوراء" ومن شاة العيد وهو يتكون من أجزاء قليلة من الشاة التي ذبحت في عيد الاضحى إلى يوم عاشوراء، ولازالت هذه العادة متبعة حتى الآن في بعض أسر البادية.
وتتلخص عملية حفظ اللحم التقليدية كالأتي:
يتم تجفيف اللحم في الهواء، بحيث لا يتعرض للأتربة لمدة ثلاثة أيام،ثم يقلي بعد ذلك في الزيت بعد تمليحه ويحفظ اللحم المقلي في وعاء خاص، كانت في السابق من الخزف أو الطين، ويسمونه "الزير"، ولا زالت بعض الأسر حتى في المدن تلجأ إلى عملية تقديد اللحم أي جعله "قدید " ويعضها تسميه "قريش" ، ومنه الفعل قرش.

القديد في اللغة

إلا أن كلمة "قديد " أضحت أكثر استعمالا و التقديد من العادات العربية القديمة وقد أورد اللفظة ابن منظور حيث قال: القديد اللحم المملوح المجفف في الشمس إلا أن البال مشددة في نطق اللفظ العامي فيما يروونه عن الرسول الكريم قوله" ما أنا إلا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد"

حفظ السمن والرب

السمن معروف وهو مستخلص من الزبدة بعد غليها بطريقة معينة ، أما الرب فيصنع من التمر حيث يغلى التمر في الماء إلي أن ينعقد وعندها يصبح رباً،والسمن علاوة على استخدامه في الأكلات الشعبية فيعطيها طعم ونكهة مميزة خاصة ، فهو يستخدم علاجا وبالتالي لا يكاد يخلو بيت من وجوده، وكان السمن والرب يحفظان في وعاء خاص يسمى "العكة"، وهي تصنع من جلد صغار الماعز إذ يدهن الجلد ، بعد تمليحه لبضعة أيام، بالزيت لفترة من الوقت.

الوعكة في اللغة

ولقد عرف العرب قديما هذه الطريقة ونجد كلمة وعكة مستخدمة في أول معجم عربي وهو الذي وضعه الخليل بن أحمد الفراهيدي أستاذ سيبويه وأحد مؤسسي علم النحو العربي وواضع علم العروض

حفظ الطماطم والبصل

في وقت لم يكن الطماطم المعلب موجوداً، ولم يكن البصل طول السنة، بل في أوقات موسمية كما هو معروف وحيث أن البصل والطماطم من الأشياء الضرورية للوجبة الليبية، كان لابد من عمل طريقة معينة لحفظها وتناولها وقت الحاجة إليها ، وطريقة حفظ الطماطم هي "تشريح" الطماطم، ويوضع في مكان جاف ونظيف ويترك لأشعة الشمس إلى أن يجف تماما ثم يوضع في أوعية ويتم تناوله عندما يشح الطماطم، وينتهي موسمه اما حفظ البصل فيتم تقطيعه قطع صغيرة ويتم تجفيفه تم غليه في الزيت "بدرجة متوسطة"، ويسمونه "حريقة "من الفعل حرق

حفظ الدقيق والسويق

لم تكن الأكياس والأواني المعدنية أو غيرها موجودة كما هو الآن ، فكان الدقيق الذي يتم طحنه في فترة سابقة، يحفظ بعد غربلته في وعاء پسمى "المزود" وهو يصنع من جلد الغزال ، أو جلد الماعز

حفظ الروائح

لم تكن المرأة الليبية تعرف الأصباغ والروائح المصنعة كيميائيا، بل كانت تحضر روائحها من الأعشاب الطبيعية، بطرق معينة تعرفها المرأة ، وخاصة روائح "العروس"، وكانت هذه الروائح تحفظ في إناء من الخزف يسمى "الجذولة"، حيث تجهز مسبقاً، ثم تحفظ بعد ذلك.
تلك هي بعض الطرق المتبعة في حفظ الأشياء المهمة والتي كانت عملية حفظها تشكل حاجة أساسية لحياة المواطن..
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -