مكرونة اللجان الثورية

هذه قصة قصيرة تأخذك إلى أجواء الجامعات الليبية في الثمانينات، حين كانت اللجان الثورية تسيطر على المشهد كله .. مكرونة اللجان الثورية' سردية واقعية عن الخوف، عن الصداقة، وعن لحظات الفارقة التي قد تغير حياة طالب جامعي في لحظة.

تنسيق الصورة والمحتوى بالذكاء الاصطناعي

مكرونة اللجان الثورية

📰 صحيفة المنظار الليبية،: منظار الثقافة
📅الثلاثاء 21ابريل 2026م
✍️بقلم :سالم أبوظهير


لن أنسى ضحى ذلك اليوم، كنت راجعاً من وردية عملي بالليل لغرفتنا في العمارة 6 بالقسم الداخلي، وصلت بوابة الدخول للجامعة، كانت مكتظة بعدد كبير من الشباب، وهؤلاء رغم أنهم كانوا طلبة مثلنا، لكنهم مختلفين قليلاً عن غيرهم، وأغلبهم إما من الحرس الجامعي، أو يتبعون المخابرات أو أعضاء باللجان الثورية. وكنا أحياناً نسميهم بـ "الكائنات الودودة".

الكائنات الودودة

هذه الكائنات الودودة كانوا لمن لا يعرفهم، وسيعرفهم لاحقاً، كأنهم طلبة مثلنا، يحملون مذكرات وكتباً مثلنا، وقد تجد في جيب الواحد منهم قلم bik بألوانه الأزرق والأحمر والأسود والأخضر، والذي شاع استعماله في نصف الثمانينات كما نحمل، و(مثلنا أيضاً) غالباً ما يكونون في عجلة من أمرهم، يسرعون الخطى لدخول المدرجات والوصول للمحاضرات في موعدها المحدد. ويرسبون أو ينجحون بتفوق مثلنا، وقد يعيدون الفصل الدراسي كله.

وباختصار هم (زيهم زينا)، لكنهم ليسوا كذلك، إنهم في الغالب يمكنك أن تميزهم، فهم يشبهون بعضهم بعضاً، إذا صادف وأن تعرفت على واحد منهم، بالضرورة ستتعرف على سلسلة طويلة من طلبة مثله، كأنهم شخص واحد "نسخ لصق"، رغم أنهم ليسوا إخوة توأم، لكنهم أحياناً ينتمون لنفس الزمان والمكان الذي عاشوا فيه طفولتهم، ويعيشون بيننا الآن.

هم شباب في الغالب يسهل وصفهم للآخرين، فهم إما مفتولي العضلات بشكل مبالغ فيه، فتشعر أنهم يتغذون فقط على البروتينات والفيتامينات، وتخمن أنه رغم حظر دخول الموز في ذلك الوقت للبلاد بقرار سيادي سياسي أصدره العقيد وأقرته المؤتمرات الشعبية الأساسية، فانتشرت إشاعة لا صحة لها مفادها أن الموز يفتل العضلات، وكل من يأكل الموز يكون شبيهاً بهؤلاء.

عبسلام الدرية

شباب البوابة طوال القامة مفتولي العضلات، وفيهم طالب واحد قصير أعرفه جيداً، فقد كان منهمكاً في فرز أكداس يضعها بين فينة وأخرى فوق طاولته أحد زملائه، أكداس أكداس من أوراق وبطاقات تعريف للداخلين والخارجين للجامعة، ينتظرون أن يسمح لهم بالدخول أو الخروج بعد تسجيلهم في سجل وقوائم طويلة، كنت أتمنى أن لا يلمحني فيحييني، لكنه يسكن معنا في نفس العمارة وفي نفس الدور وفي نفس الممر أيضاً، لكنني وبسبب نصائح ثمينة أتجنب أن تتوطد العلاقة بيننا.

عرفت عنه أنه يضرب يعور داخل الجامعة وخارجها، وأن هؤلاء الطوال هم في الواقع أقصر منه جهداً ومعرفة بخبايا الأمن والأمان في الجامعة.

عبد السلام أو (عبسلام الدرية) كما ينادونه أصحابه تحبباً، أفطح قصير شعره الكيرلي يلمع بشدة من كثر ما يخضبه بزيت الزيتون وبكريمات أخرى كانت محظورة على غيره لكنها تصله من مالطا، ومن سوريا، ويتفاخر هو بذلك ولا يبالي. وهو طالب قديم بقسم اللغة العربية بكلية التربية، لكنه لم يتخرج منذ سنوات، ويسكن في القسم الداخلي في عمارة 6 في غرفة فردية، وغرفته الفردية في بداية الممر في الدور الرابع، وكان يشاع ويتردد دائماً، أن ما يعتقد أنه غرفة فردية، هي في الواقع جناح واسع فسيح وفخم.

صديقي عمران

ذات مرة صادف وأن كان صديقي عمران يسير في الممر، وعندما اقترب من غرفة عبسلام، وجد بابها مفتوحاً ربع فتحة، وبدافع فضول متهور من عمران خفف من سرعة خطواته، ومد رقبته مسترقاً النظر والسمع لما داخل الغرفة، حتى ناداه عبسلام:


- أنت  يا ... تعال خش

تسمر عمران مكانه فيما أومأ عبسلام مشيراً بيده له بالدخول:


- تعال خيرك خش قعمز قعمز

هكذا بلهجة مريبة وبسبب كلمات قليلة فيها أربعة أفعال أمر، وجد عمران نفسه في وضع لا يحسد عليه، وفي غرفة لا تشبه غرفته ذات الستة أسرة، كل سرير لابد وأن تمت صيانته من قبل. غرفة نافذة بعض زجاجها مكسور، وتم استبدال المكسور بلوحة مقعد عريضة بنية اللون مرسوم عليه جدول يوضح الواجبات اليومية لكل طالب من الطلاب الستة يتم تغييرها كل أسبوع.

جلس عمران مرتبكاً ولا يشعر بالأمان، وحاول عبسلام أن يكون شهماً مع ضيفه المرتبك، فأحسن ضيافته بطاسة شاهي خضراء وسبسي روثمان، طمعاً في مد جسور التعارف والثقة مع جيرانه أصحاب الغرفة السداسية، وعندما تيقن أنه فشل ودع ضيفه بجملة "أي خدمة تفضلوا سلامات".

الغرفة الفردية

غادر عمران غرفة عبسلام الفردية لغرفته السداسية، وهو مسرعاً متوجساً خيفة من أن يلمحه أحد من جيرانه فيحسبه من الجماعة إياهم، وهو بعيداً عنهم لا يحبهم ولا يحب التحدث عنهم أو عليهم خوفاً من أن يتسبب ذلك في حدوث مشاكل هو بكل تأكيد في غنى عنها.

كنا ستة طلبة، تجمعنا غرفة واحدة نتقاسم الفرح والحزن والأكل والنوم والواجبات اليومية والهموم، لكن لكل واحد منا خصوصياته، أهم ما في الموضوع اتفاقنا جميعنا وبشكل ضمني أن نتجنب نهائياً الحديث في السياسة.

كنت مقرباً من عمران أكثر من باقي الأربعة، ويعرف الجميع أننا أصدقاء بما يكفي، وذات ليلة مقمرة كنا نجتاز معاً ساحة ملعب الرملة، متوجهين لعمارتنا بعد أن تناولنا العشاء في مطعم الجامعة، التفت عمران فجأة، ووجدنا عبسلام خلفنا، وبدا لنا كأنه جن، ظهر من تحت الأرض أو هبط من السماء، فلم نشعر بأنه خلفنا، وبدأنا نخمن منذ متى وهو معنا ولم نحس به، لم يتكلم، ونحن لم نتوقف عن الضحك والقرمة والكلام … ثواني وقال عمران:


- أوو نسيت المفتاح في المطعم، هيا ولي معاي.

لم يحتاج الأمر تفسيراً، خاصة وأني تحسست المفتاح في جيبي للتأكد، لكنني فهمت وودعنا عبسلام.

رجعنا للمطعم، وطول طريق العودة وعمران لم يتوقف عن الالتفات وهو مذعور ويسأل ويكرر في السؤال:

  • - شنو دوينا ياراجل؟
  • - على شنو كنا نحكوا؟
  • - زعما حكينا ع السياسة؟
  • - من امتا وهو ورانا؟

وبين السؤال والسؤال، لابد لعمران أن يبسمل ويحوقل ولا يتوقف عن تكرار "ربك يستر ربنا يستر ياشينك حصله هالدرية وخلاص ياشينك حصلة ربك يستر". وحتى يبرر خوفه بل رعبه توقف عن الكلام وأخذ نفساً عميقاً، ثم زفير كأنه شخير يود أن يتخلص مما بداخله واستطرد يصف لي قال:


- تعرف امتا خشيت لغرفته الفردية.. فردية شنو ياخوي هاذي جناح معلق فيه صورة معمر، طاولة كبيرة، كبيرة هلبه، فوقها أعلامات خضر، وأوراق خضر وكتابات خضر، الدار كلها خضرا ياخوي.

وفجأة سكت توقف عن الكلام كأنه اختنق ثم عاد للوصف فقال:


- لا كان تحت الطاولة صندوق أزرق كبير، شكله معبي دخيرة، وفوق الصندوق الأزرق كلاشن ياصاحبي والله كلاشن.

بعد كلمة الكلاشن توقف عمران عن الكلام كأنه اختنق ثم عاد للوصف فقال:


- تعرف السرير ياصاحبي، السرير الي في الدار سرير كبير نرقدوا فيه الستة..! فوق السرير زوز بطاطين نمر وفوقه زوز وأربعة وسائد بيض انضاف بيض، انضاف هلبه ياراجل، ناصعات البياض ياصاحبي.. انظاف وبيض هلبه مش زي المخدة متعك.

وتابع يقول:


- ياراجل تشوف الدار صغيرة، لكن واسعة وكبيرة، فيها ثلاجه وفريز وتلفزيون قاريونس كبير ومكيف ياصاحبي، وبساط وفوق البساط اللي فرشه سجادة يعني سجادة ياصاحبي بالعربية الفصحى شكلها من تركيا مانعرفش لكن اللي متأكد منه ان حق الفرشة ياصاحبي أغلى من سيارتك الهوندا المخززة.

وختم عمران حديثه الطويل بنصيحة: "عرفت أعلاش نقولك اخطاك منه عبسلام الدرية؟".

هذا الضحى وأنا راجع لغرفتي السداسية بالقسم الداخلي، تذكرت نصيحة عمران، وفي كل مرة يرفع فيها عبسلام رأسه، بعد أن يتوقف عن التسجيل، لا أتردد أنا في تنكيس رأسي ودسه في درج السيارة متظاهراً بالبحث عن شيء حتى لا يراني، كنت حريصاً جداً على الأخذ بنصيحة صديقي الصدوق عمران.

بعد منتصف الليل

استلمت بطاقة تعريفي الجامعية، ودخلت واستغربت لماذا هذا الازدحام والجلبة غير العادية، وانتبهت كيف أن الجامعة شبه خالية، باستثناء عدد كبير من سيارات النجدة وشباب ورجال أمن بملابس عسكرية. وزادت حيرتي وتطورت لخوف، عندما لمحت وجود عدد كبير، يشبهون من بالخارج، في غرفة عبسلام الفردية، التي يأتي منها أصوات ضوضاء وضجيج على غير العادة.

ولجت لغرفتي، ولم أجد أحداً من الزملاء، ولأنني لم أنم طوال الليل، ارتميت على سريري، ونمت نوماً عميقاً حتى منتصف الليل.

بعد منتصف الليل بقليل اكتشفت أنني لوحدي في الغرفة السداسية، فخرجت منها للغرفة المجاورة لكني لم أجد أحداً، واكتشفت أني الطالب الوحيد في الممر وربما في العمارة كلها، لا أحد من الطلبة، وتملكني خوف حقيقي ومبرر. توجهت إلى الحمامات في نهاية الممر، وعند عودتي لغرفتي سمعت صوت عبسلام الدرية يناديني بصوت عالٍ، تردد صداه في أجواء الممر:


- تعال تعال

لما وصلت لم يحييني ولم يسلم علي لكنه سألني أسئلة متتالية متلاحقة عرفت لاحقاً ماذا يقصد بها:

  • - خيرك قاعد؟
  • - خيرك ما روحت؟
  • - شنو قاعد ادير اهني؟
  • - ما سمعتش شن صار؟
  • - وين كنت؟

ولشدة ذهولي وارتباكي وكأنني في حلم أجبت على كل الأسئلة بكلمة واحدة: "شنو؟".

لكن عبسلام جذبني بقوة من يدي وأدخلني للغرفة الفردية وهو يضحك موجهاً الكلام لجماعته:


- هذا دايخ مايندري علي شي؟ قعمز قعمز تعشى معانا.

لم أنتبه أنني في غرفة عمليات حقيقية، أجهزة اللاسلكي، وهواتف أرضية، ومسدسات بلجيكية فوق الطاولة الكبيرة، وأحذية عسكرية ضجيج، جهاز اللاسلكي، سمعت صوتاً مزعجاً يسأل أحدهم عبره:


- من فيه في العمارة؟

وجاء الرد من صاحب عبسلام:


- مافيه حد العمارة، العمارة فاضية بالكامل يا أفندي..!!

كنت أرغب في أن أقول له إني أنا في العمارة، لكن أحدهم طلب مني أن أنحي رأسي قليلاً ليسكب المكرونة في الصفرة، والواقع ما سكبه كان أكداس لحم وقليل من المكرونة، وكنت جائعاً جداً فلم أكترث بما يدور حولي وأكلت اللحم والمكرونة وخرجت.

وقعت فريسة الخوف والشك والألم، وتأكدت بما لا يدع مجالاً للشك، أن أمراً ما قد حدث، وخطب جلل قد وقع، لكني لم أعرف ما هو؟ فلا أحد في العمارة إلا أنا وعبسلام وجماعته، رغم أن صاحب عبسلام قال للأفندي ما فيها حد العمارة..!!

المدرج الأخضر

لم أتمكن من العودة للنوم، وقبل الفجر بقليل سمعت صوت إطلاق رصاص، وسمعت أيضاً صفير سيارات النجدة، واستيقظت قبل منتصف النهار، قررت المغادرة وأنا أستقل سيارتي لمحت أحدهم يحاول الاختباء خلف سيارة بجانبي، وسمعته يتحدث بصوت خافت في اللاسلكي، نعم سمعته بوضوح يقول:


- الهوندا تغادر.. الهوندا تغادر الآن!!

وقبل أن أصل لبوابة الخروج من الجامعة، حاصرتني سيارة نجدة ولم أدرك ما حدث، إلا بعد ساعات وأنا جالس على كرسي حديدي، ورأسي مغطى بخرقة سوداء وضابط التحقيق يسألني للمرة العاشرة:

  • - اعترف يا ضال.. قول من معاك..؟
  • - ليش احرقتوا المدرج الأخضر يا كلب..؟
  • - جماعتك باعوك افطن لروحك..؟
  • - منو اللي خطط؟ ومنو اللي نفذ؟
  • - وين بايت البارح؟ وين كنت الليلة اللي فاتت؟

وأنا نحلف ونتوسل ونكرر:


- والله كنت في العمارة يا أفندي.

وكل ما أحاول أن أخبره أنني كنت في العمارة يصفعني بقوة ويصرخ في وجهي:


- أحنا مانلعبوش يا كلب، أهو تقرير البلاغات، يقول العمارة مافيها حد.. قول وين كنت البارح؟

- في العمارة 6 يا أفندي؟

- وين في العمارة 6؟ منو كان معاك؟

- كنت في غرفة عبسلام يا أفندي؟ كنت نتعشى في مكرونة مع اللجان الثورية يا أفندي.. أقسم بالله.

هنا حك المحقق رأسه، أطفأ سيجارته، واتجه لمكتبه وسمعته من خلفي يقول:


- الو عبسلام.. الو قولي منو تعشى معاكم البارح.... لا ياراجل.. متأكد؟

أقفل المحقق سماعة الهاتف.. التفت فك قيدي وقال لي:

- نوض روح اقلب وجهك 

صحيفة المنظار الليبية
صحيفة المنظار الليبية
تعليقات