أخر الاخبار

الرابطة المفاعل النووي

... وانا استحضر النقاط الرئيسية لهذا المقال ، تذكرت تلك الطرفة التي كانت تحكي عن سائق التاكسي الذي امضي يومه كله في محطة الباب الجديد في طرابلس، دون ان يحصل على ركاب قاصدين غريان، فقرر تغيير خط سيره الى مكان اخر ، فتح أبواب سيارته وفتح فمه يعلن عن خط سيره البديل مناديا بالصوت العالي: " الرابطة المفاعل النووي"..." الرابطة المفاعل النووي!!!".
الرابطة المفاعل النووي
الرابطة المفاعل النووي

كانت هذه نكتة سوداء تداولوها الليبيون فيما بينهم بداية تمانينات القرن الماضي ، في ذلك الوقت الذي كان مجرد التصريح او حتى التلميح بوجود مصنع في منطقة اسمها الرابطة يعاقب عليها القانون، وذلك في محاولة طفولية من القذافي وإعلامه الهزيل في ذلك الوقت لايهام العالم ان مصنع الرابطة يقوم بتصنيع الادوية فقط.
فرغم محاولات القذافي الفاشلة والمتكررة لامتلاكة القنبلة الذرية ،التي بدأت مع بداية استلامه البلاد، وحكمه لها وتواصلت باصرار غريب وبدخ مبالغ فيه ليصنع مجده المزيف كرجل قوي على اكتاف الليبيين الذين خسروا راحتهم وضاعت أموالهم هدرا ، حين قرر وبشكل فردي انهاء حلمه الوردي الذي كان كابوس بالنسبة لليبيين لان كل درهم صرفوه على هذا المشروع ذهب لجيوب الغرب والامريكان الذين شنوا حربهم على العراق لذات السبب ، وبجرة قلم سلم كل شىئ استرضاء لهم وخوف منهم .
مع بداية عقد سيعينيات القرن العشرين الماضي ، كان الداهية ورجل السياسة المحنك ذوالفقار على بوتو، أول من تفطن وأستغل هوس القذافي بمجده الشخصي الذي كان دائم الحلم بتحقيقه بامتلاكه القنبلة الذريه، ولن ينس الشعب الباكستاني رئيسه الذي بنى ترسانة بلاده النووية (بفلوس الليبيين) ، ولن ينسوا خطابه الذي وجهه لهم ولجيرانه للهنود ولكل العالم حين قال بثقة " نحن سنمتلك القنبلة الذرية ولو أكل شعب الباكستان العشب في سبيل تحقيق ذلك" ، ولكن القذافي قد سهل الامر على الشعب الباكستاني الطيب مبكرا وبدون شروط بعد ان وقع معهم اتفاق تعاون نووي في ختام قمة مؤتمر العالم الإسلامي عام 1974 م، وكان مضمون الاتفاق السري حينها ان تساعد الخزانة القذافية التي لايراقبها احد،دولة الباكستان ماديا وبدون حدود مقابل ان تلتزم الأخيرة بعد امتلاكها القنبلة الذرية بمساعدة ليبيا تقنيا لبناء ترسانتها النووية.
و بشكل أو بآخر بعد أن انتهت الباكستان الشقيقة من بناء ترسانتها وصرحت للعالم بكل فخر امتلاكها للقنبلة الذرية والفضل لعلمائها ولملايين الدولارات من خزينة الشعب الليبي وهو ما كشفت عنه تفاصيله الدقيقة المخابرات الغربية في مايعرف بقضية عبدالقادر خان ،وبذلك أصبحت الباكستان في حل من تنفيذ باقي بنوذ الاتفاق ،ولحفظ ماء وجه القذافي الصفيق ،أو رغبة من ساسة وصناع القرار في الباكستان بتحسين أوضاع شعبهم المادية ،ابقوا على بعض بنوذ الاتفاق بمساعدات فنية واستشارية فقيرة جدا ومحدودة ، لايمكنها ان توفر حتى الاساسات الصحيحة لبناء قاعدة نووية، خاصة إذا ماقورنت هذه المساعدات الباكستانية بما يتم مقابلها من استلامهم للملايين من العملة الصعبة المستقطعة من ثروات الشعب الليبي الحزين والتي كانت تصل لمطار كراتشي في حقائب دبلوماسية وباشراف القذافي و مخابراته ، دون ان يحقق أي خطوات حقيقة ليصل لمجده الذي حلم به وفرط فيه في لحظة خوف ورعب بعد سقوط صدام حسين !!!
بداية تمانينات القرن العشرين كان الاتحاد السوفياتي السابق أكثر طمعا وأكثر ذكاء وخبتا في استغلاله لاصرار وتعلق القذافي ببناء مجده النووي واستعداده للدفع بلا حساب في سبيل تحقيق ذلك ، فاأخد منه السوفييت كل مايريدون مقابل مساعدات محدودة جدا عبارة عن المساعدة في بناء مفاعل متواضع في تاجوراء الضاحية القريبة جدا من طرابلس
أستمر هوس القذافي وجنونه لامتلاك السلاح النووي، بعد أن تبين عدم جدية الباكستان في مساعدتة ، استقدم شركات فرنسية والمانية وتعاقد معهم لبناء وتاسيس مصنع الرابطة للكيماويات الذي يبعد تمانين كيلو متر غربي العاصمة طرابلس وكذلك مخازن ودشم في منطقة ابومعاد القريبة من مدينة غريان لتخزين ماسينتجه هذا المصنع ، ولايحتاج التأكيد على أن عقود البناء والتأسيس كانت تنفذ وتتم مقابل أرقام وعقود خيالية ، لايمكن تحديدها بدقة أو لايمكن تجديدها مطلقا ، لانها تتم خارج اطار الدولة وعبر المعاملات والعمولات بشكل مخابراتي .لورغم ذلك وصلت خرائط ابومعاد والرابطة إلى أروقة المخابرات الامريكية ومكاتبها ، ويقرر بوش الاب في بداية التسعينات قصف المصنع ، وهذا كلف ان يتم نقل مابداخل الرابطة الى ترهونة ،وتحولت الرابطة من مفاعل نووي على الورق فقط ، إلى مصنع لللادوية أو مخزن لحفضها ولتغليفها وإعادة تسميتها من جديد
المقام لايتسع هنا لسرد ماصرفه نظام القذافي من أموال ، وحجم مالحق ليبيا من أضرار في سبيل تخليد اسمه في التاريخ ومحاولاته مع الصين ومع الكوريتين ومع فرنسا وحتى مع الارجنتين ، ومايصاحب كل صفقة من الصفقات الوهمية أو الفاشلة من ترتيبات وعمولات قبل التمهيد لكل صفقة عبر شركات ومكاتب وحتى عصابات مافيا ، لايهمها سوى الملايين والدفع مقدما ..وبعد هذا الطريق الطويل من مواصلة اهدار الثروة بغباء واستهار منقطع النظير يقرر معمر القذافي ويتخد القرار عشية يوم التاسع عشر من ديسمبر عام 2003 بالتخلي عن جميع برامج السلاح الكيميائي وكل الأسلحة غير التقليدية بطريقة وسيناريو تركت العالم ووسائل اعلامه يبحث عن أسباب اتخاد الدولة الليبية هذا القرار المفاجئ غير الصائب ، دونما أن ينتبه أحد أنه ليس هناك دولة بالأساس لتقرر وانما القرار كان له وحده .. وحده فقط !!!

سبق نشر المقال في العدد 175  من جريدة ميادين الليبية بتاريخ 13-سبتمبر 2014م 

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -