أخر الاخبار

قمرُ زمانِها ..قصة قصيرة للكاتبة إنتصار بوراوى

 قمرُ زمانِها ..قصة قصيرة للكاتبة إنتصار بوراوى

قمرُ زمانِها ..قصة قصيرة  للكاتبة إنتصار بوراوى


ولدت (قمر زمانها) في عائلة غنية ،كان والدها تاجرًا كبيرًا معروفًا عاشت في كنفه مدلَّلةً، وأي شيء تشير له بأصبعها يكون حاضرًا للحظتها بين يديها،
عندما استدار جسدها، وظهرت ملامح الأنوثة عليه، تقدَّم لخطبتها كثيرون، لكنَّ قلبَهَا أُغرم بابن أحد أقاربها الذي كان في مستوًى مادِّيٍّ ضعيفٍ وبالكاد استطاع توفيرَ بيتٍ صغيرٍ لها في أقصى المدينة.
تزوَّجت "قمر زمانها" في السادسة عشرة من عمرها من قريبها الذي كان في العشرين من عمره، وعاشا حياةً بسيطةً، تشاركا فيها على الحلوة والمرة، وأنجبت أكثر من عشرة أولاد وبنات على مدار السنوات.
كان زوج (قمر زمانها) يغمرها بحبه ورغم أنها من أسرة غنية وهو ينحدر من عائلة بسيطة إلا أنها لم تكن تشعره بأي نقصٍ، أو تشكو من شظف العيش معه فلقد أغرمت (قمر زمانها) به منذ أول يوم، وأحبَّت حكاياته وفلسفته في الحياة، وتشاركت معه في كل شيءٍ حتى اختيار أنواع الغناء ومشاهدة المسلسلات، كلها كانت على حسب ذوقه ومزاجه، وكل ما يردِّدُهُ من أفكار وآراء في الناس والحياة كانت تقتنع بها وتردِّدُها أمام الجميع بحيث أصبحت موطنًا لتندُّر قريباتها حين تجلس معهن ولا تمل منَ الحديثِ عنه.
حين كانت تنجب مولودًا جديدًا، يطلب منها أن ترتاح ولا تقوم من السرير ويقوم بيديه الكبيرتين القويتين بعمل" العصيدة" وتجهيزها بمناسبة سلامة إنجابها للمولود.
لم تشكَّ يومًا في محبِّته الغامرة لها، كانَ هو الوجود والحياة والهواء الذي تتنفَّسه
كانت في الخامسة والأربعين من عمرها في أوج فتنتها، ولم يفلح الزمان وإنجاب الأوَّلاد في انتزاع جمال تقاطيع وجهها، أو يغزو الترهُّلُ والوزنُ الزائدُ جسدَهَا الفارعَ
حصل زوجها فجأة على ورث مالى كبير أثر وفاة ابن عم له عجوز وليس لديه ابناءأو أخوة يرثونه ،يقطن بمدينة أجداده فى أقصى شرق البلاد فمات وترك ثروته لابن عمه الوحيد.
أصيبت (قمر زمانها) بصدمة عمرها، حين أخبرَها زوجُها بأنه ينوي الزواج بامرأة أخرى وكادت أن تخرج من عقلها، ذهلت وتوقف عقلها عن الفهم، ولكنها لم تستطعْ أن تطلب الطلاق لأن أولادها أصبحوا شبابًا، وبناتها بعضهن قد تزوَّجن، وأخريات مخطوبات ويتجهَّزنَ للزواج، وهو رفض مطلقا مجرد نطقها بعبارة الطلاق أخبرته بأنه إذا كان مصرا على الزواج فليذهب ويتزوج ولكن عليه ألَّا يدخل بيتها أو يقترب منها و هجرته ومنعت نفسها عنه، لكن زوجها لم يبالِ بقرارها وتزوَّج فتاةً صغيرةً لم يسبق لها الزواج، ثم طلَّقها وتزوَّج أخرى، ودخل زوجها في زيجاتٍ متعدِّدةٍ إلى أن استقرَّ مع أرملة في بيت قريب من بيت (قمر زمانها) كي يرى أولاده وينفق عليهم، فيما انفصمت العلاقة الزوجية بينه وبين قمر زمانها تمامًا.
كانت النسوة يحدقن فى قمر زمانها عندما التقين بها فى بيتها محاولات أن يخففن عنها مصابها ولكن (قمر زمانها) أضحت تشعر لأوَّل مرة في حياتها بالوحدة على الرغم من زيارة القريبات والأهل وجود الأبناء والبنات حولها؛ كانت تحس بأن ثمة سكِّينًا انغرست بقلبها، سكينًا تمشي وتتحرَّك وتتنفَّس وهي معها، كانتِ السكين نأخذ شكل وجه زوجها رفيق الثلاثين عامًا، الذي انقلب وكشف عن وجهٍ آخرَ لم تعرفه أو ربما لم تتفطَّن له.
عضَّت أصابع الندم على كل سنوات عمرها التي قضتها رفقته، وهي بالكاد خلعت ثوب طفولتها، فتربَّت على يديه وكانت تعدُّ كلامه مقدَّسًا، ورأيه في الدنيا والوجود والناس هو الصواب.
عاشت ثلاثين عامًا على وهم أنه يحبُّها ولا يمكن أن يغدر بها.
همست لي (قمر زمانها) بحزن:
ثلاثين عامًا وأنت تعيش مع شخص وتنام معه، وكل تفاصيل حياتك بين يديه ثم فجأة تكتشف بأنك لا تعرفه!؟
نظرتُ إلى الحزن والألم اللذينِ ارتسما على تفاصيلِ وجهِها، وأجبتها:
- الحقيقة، عزيزتي، بأنك عشتِ ثلاثين عامًا مع رجل كنت تنامين معه، وتنجبين له الأوَّلاد، وتساعدينه من أموال أسرتك مادِّيًّا، دون أن تعرفي خبيئةَ نفسِهِ الحقيقية، ووجهَهُ الحقيقيَّ الذي ظهرَ بعد أن تغيَّرت حالته المادية، وانكشفت رؤيته للزواج والنساء على حقيقتها، ولم يعد يهتم بمشاعرك وأَحاسيسك ورضاك الذي كان يلهث كي يحظى به في سابق الزمان.
لقد عشت مع صورة اخترعها هو لنفسه، وأوهمك بحقيقتها طيلة ثلاثين عامًا، وربما لو أنك اكتشفتِ حقيقتَهُ منذ السنوات الأوَّلى، كان يمكن لصدمتك فيه أن تكونَ أخفَّ، وما كان للندم والحسرة والمرارة أن يستحوذا على تفكيرك كل يوم حتى استولى المرض على جسدك فيما هو مستمتع بين أحضان زوجته الجديدة.
صمتت (قمر زمانها) ثم ابتسمت ابتسامةً ممزوجةً بمرارة وردت قائلةً: يقولون بأن الرجل ينام على صدرك ويفكر في غدرك، ولكن ليتَهُ - كما قلت لي - غدر بي في أول العمر؛ كان يمكن للصدمة أن تكون أخفَّ ضراوةً.
تركتها ومضيت وأنا أسمع صوتها وهي تعيد رواية قصتها على الأخريات كما تفعل كل يوم في كل مكان تذهب إليه علها تزيح ثقل الألم الرابض فوق صدرها.
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -