meta name="surfe.pro" content="78f9b56f7d1c1555df174aef016c92c9 meta name="surfe.pro" content="78f9b56f7d1c1555df174aef016c92c9" خلطة اردوغان.. لمجاهد البوسيفي
أخر الاخبار

خلطة اردوغان.. لمجاهد البوسيفي

خلطة اردوغان.. لمجاهد البوسيفي
الكاتب الليبي مجاهد البوسيفي

    ربما يكون اردوغان احد اهم ثلاث شخصيات في تركيا الحديثة، كمال اتاتورك الذي رسم الانقطاع مع الماضي، فكرا ولغة وسياسة، واسس البلد على قاعدة عصرية بعد انهيار السلطنة العثمانية العابرة للحدود، ثم تورغوت اوزال الذي اسس القاعدة الاقتصادية الاساسية، قبل ان يغيب فجأة، وقد يكون غياب قسري عليه شبهات جنائية، ثم جاء اردوغان الذي كان يملك من الذكاء والواقعية، كي يسير على طريق اوزول الاقتصادي وعدم الغاءه، ليجني الثمار التي لم يلحق سلفه على قطفها.
    نجاح اردوغان الاقتصادي سبقه نجاح آخر غير مسبوق سياسيا، عندما تبنى حزبه الاخواني ابجديات الدولة الحديثة كأول حزب اسلامي في المنطقة يفعل ذلك، ابجديات احترام الحياة الخاصة، (المثلية والكحول والزواج المدني وحرية الالحاد…الخ)، واحتفظ بنسخته العقائدية داخل اطار جماعته السياسية الحزبية، وترك الناس يتدبرون علاقاتهم بحسب مايرون، وهو عمل لم يجرؤ اي فرع من الاخوان المسلمين حتى على التفكير فيه علنا. الشيء الوحيد الذي بقى على عداء ومناكفة معه، هو حرية الراي والصحافة التي تخضع لترهيب وترغيب نسبي مستمر حسب الظروف، ولكنه بالطبع لا يشبه الترغيب والترهيب العربي بأي حال في السوء.
    جمع الطيب اردوغان صفات السياسي المناور، وذكاء المقاول الماهر القادر على الاستفادة من مآسي الآخرين، والعقائدي الخبير في استخدام القدر المطلوب تماما من الجرعات الدينية وفي المكان المناسب غالبا.
    في عشريته الاولى، ذهب لاوروبا يخبرهم انه لطالما شعر بأنه مثلهم ومنهم، عارضا عليهم خدماته التي تشمل (ترويض) المنطقة العربية وتعليبها وفق المطلوب منه، كمهر لانضمامه لاوروبا، وعندما تم رفضه، عاد بشكل اقوى لمنطقتنا لجمع النقاط وتحويل عاصمته لمحج جديد للعرب، مستغلا خلطة تجمع بين الدراما الخلابة، ووفرة من البضائع المقلدة -المسروق حقوقها-، وقوانين استثمار محدثة، والكثير من الدين الذي زادت جرعته المصدرة للعرب مع الربيع العربي، وتاليا مع انهيار وتشتت حزب الاخوان المسلمين المصري، الذي كان يقود تشكيلة من الافرع الاخوانية العربية، قبل ان يتحول بذاته الى تابع صغير عند الخليفة التركي الجديد.
    ومع انطلاق موجة عنف ما بعد الربيع، اثر فشل الاسلاميين كقوة منظمة في طرح برنامج سياسي اجتماعي، قادر على طمأنة البقية من جهة وظهور الفقر المدقع في عدم وجود تيار وطني ولو بالحد الادنى في المنطقة العربية من جهة ثانية. هذه البيئة كانت بمثابة المنجم الذهبي لاردوغان، الذي انتقل بحس المقاول سريعا للاستثمار في داعش والقاعدة، لفتح مساحات جغرافية جديدة امامه في سوريا وليبيا والعراق، وفي نفس الوقت ادارة الاهوال التي خلفها ذلك الاستثمار، من لاجئين ومهاجرين وانتقال رؤوس اموال، لينهل من طيبات ذلك التوحش مكاسب تجمع المال بالنفوذ بالتمدد بالابتزاز، في خلطة نادرة لايستطيع غيره ان يقوم بها، خلطة المقاول الشاطر الذي يعرف كيف يشعل النار، -او يقترح اشعالها-، ثم يلعب دور المنقذ او على الاقل المبادر لعزل مناطق الاشتعال وتسويرها والقيام بحمايتها.
    كل هذا والحياة داخل تركيا تسير سيرها المعتاد، حيث تخلو في مجملها من خطابه الاسلاموي المحرض، الذي اكتفى بتوجيهه للخارج ونثره في منطقة عربية قاحلة فكريا، بسبب استعمارعثماني طويل وحركات اسلامية تعيش على ثقافة المستبد العادل والمهدي المنتظر، وانظمة ترنحت واخرى تترنح في الطريق دون بديل.
    هذه هي الاجواء المثالية التي تحرك فيها اردوغان باخلاص لبناء بلاده، على حساب بلدان العرب كما فعل اجداده بالضبط، وتقوية حزبه ومن ثم حضوره الشخصي الذي ازداد وتمدد في عالم عربي رخو، خالي من القيادات والتيارات الوطنية، مستخدما الاسلاميين العرب، كفرقة متقدمة تنفذ برنامجه ،او على الاقل تمارس الدعاية المجانية والتبشير به في مجتمعاتها المحلية.
    العشرية الثانية من حكم اردوغان كانت اقل تألقا، لانه انتقل من خانة خدمة تركيا، الى خانة تركيا من يجب ان تخدمه،وكان بالامكان ان تكون اكثر سوءا، لولا ان البلد افتقد قيادة بديلة، وفي نفس الوقت كانت المنطقة كلها -ولازالت- تمر بمرحلة ضعف وتبدل لم تمر بها ابدا في التاريخ، مما خفف من الآثار المترتبة على زعامته ، بدأت الليرة رحلة تدهورها، وزادت ديون الدولة وتعرض اردوغان نفسه للاذلال العلني من بوتين، عندما فكر في توسيع هيبته، ومن السعودية التي منعت عليه الاستثمار والسياحة، ورفضت اوروبا استقبال مبعوثيه، لعقد اجتماعات انتخابية للدعاية له بين الجالية التركية، فيها، وقامت بارجاع من وصلها منهم في نفس اليوم اليه مجددا، وكانت الامور ستزداد سوءا لولا انه تلقى هدية نادرة بقيام انقلاب فاشل عليه، منحه قوة اضافية واعطاه حق الانتقام بتنقية الجيش، واطلاق انصاره في الشارع ومنحهم الاذن بجلد ضباط الجيش وجنوده بالاحزمة عقابا لهم.
   (اردوغان) تعرض ايضا لانشقاقات مهمة داخل حزبه، ولكنه في كل مرة كان قادرا على الاستمرار، لان رصيده في العشرية الاولى لازال كافيا كزاد في الطريق التي بدأت تضيق، مما دعاه لاخراج حيلة جديدة تمثلت في تغيير النظام من برلماني وزاري الى رئاسي، وضغط بما امتلكه من نفوذ ليتحصل على الغطاء الشعبي لذلك، ليتحصل على مساحة جديدة بمنصب جديد للبقاء في اعلى الهرم .
    واليوم تأتي انتخابات جديدة واردوغان ليس في تمام عافيته السياسية والصحية، ضغط العمل المتواصل، وبروز خسائر غير متوقعة، كما حدث في اسطنبول التي تعتبر الجسر الموصل للرئاسة، وهو جسر استخدمه اردوغان بنفسه عندما فاز برئاستها، وابرز فيها مواهبه قبل ان يصل عبرها الى كرسي الحكم.
    المعارضة ايضا تبدو اكثر تماسكا وتحالفها استطاع الصمود، بعد الاتفاق على طريقة القسمة في حالة الفوز، وطبعا لا ننسى الزلزال والذي وان كنا لانعرف بالضبط نتيجة تداعياته السياسية للان، لكننا نلمح اشارات بأن معالجة الرئيس لتلك الكارثة لم تحز على رضى الكثيرين، واذا اضفنا لذلك استمرار تدهور الاقتصاد والليرة، وزيادة المديونية فربما نكون امام انتخابات مختلفة بعض الشيء ..انتخابات يحشد لها انصاره بكل ما يملكونه من جهد وبقية مصداقية. ولكن بالنظرة البعيدة لمآل الامو،ر يمكن الادراك انه حتى لو فاز اردوغان هذه المرة، فسوف تكون هي الاخيرة بالنسبة له، وغالبا بالنسبة لتياره السياسي القائم على الخلط بين البروباغاندا الدينية والاعمار الاقتصادي بمهارة لا اظنها ستتوفر لغيره فيما بعد ..في كل الاحوال قام الاسلام السياسي التركي اخيرا بشيء نافع ونقل تركيا اقتصاديا لموقع جديد وان بتصدعات اجتماعية سنرى كيف تكون تداعياتها في المستقبل القريب.
    اما العرب ..الاسلاميين الذين يشاركون في حملة اردوغان بالادعية والفتاوي، والتحشيد والمسلمين (العاديين)، الذين يتابعون الوضع بين مؤيد ومعارض ومتردد،.كلاهما لم يفهم حقيقة ماحدث في العقدين الماضيين،ذلك الواقع الجديد الذي عبر عنه اردوغان صراحة في اكثر من خطاب ،وهو انه على الدولة ان تكون علمانية التوجه، بينما يترك الخيار للفرد والمجتمع في طريقة تعبده، وهو قول تم تجاهله لصالح البروباغاندا الاردوغانية الموجهة للخارج ،والهادفة لجمع المال والنفوذ،وهي طريقة يفضلها الاسلاميون العرب الذين ادمنوا العيش في جُب الماضي السحيق، الذي بالكاد يسمح بظهور رؤوسهم بالشكل الكافي، للتطلع نحو زمن المستبد العادل، ولو كان من الترك، تابعون وخدم كما كان الحال عليه طوال فترة الاحتلال التركي لعالمنا الذي يعد بالقرون.
(المقال منقول من صفحة الكاتب مجاهد البوسيفي على تويتر)
تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -