meta name="surfe.pro" content="78f9b56f7d1c1555df174aef016c92c9 meta name="surfe.pro" content="78f9b56f7d1c1555df174aef016c92c9" السلاح المزدوج.. لعمر الكدي
أخر الاخبار

السلاح المزدوج.. لعمر الكدي

السلاح المزدوج.. لعمر الكدي

السلاح المزدوج.. لعمر الكدي


صحيفة المنظار الليبية : مجلة (لا) 

    لم تنجح الحكومات العربية في القضاء على الإشاعة، والنكتة بالرغم من خبرتها الطويلة في مقاومة مثل هذه الأنشطة، والمامها بهذه الصناعة، منذ أن استخدمها معاوية بمهارة فائقة، جعلته لا يتشبث بشعرة يشدها الآخرون فلا تنقطع ، وجاء خلفاؤه في العصر الحديث فحفظوا نصف الدرس وتشبثوا بالاثنين :الكرسي الذي لم يتغير، والشعرة التي انقطعت منذ عهد بعيد، أسسوا الوزارات التي كلفت برفع الروح المعنوية والقضاء على النكتة والاشاعة، وجندت جيوش المخبرين، سرعان ما تحولوا الى مروجين لبضاعة ممنوعة بعد ساعات الدوام الرسمي، وبعد أن فشلت الحكومات فشلا ذريعا، حاولت الاستفادة من هذين الخصمين بتجنيدهما لخدمة العلم وهكذا وجدت النكتة طريقها نحو السلطة، بعد أن تشردت في الشوارع قرونا طويلة ،وتسللت مرغمة إلى خطابات الحكام العرب، بعضهم يستخدمها ليضفى على عهده شيئا من الطرافة، وليلون انياب السلطة بالوان زاهية ، كما فعل ، أنور السادات عندما أطلق نكتته الشهيرة ( برضو الديمقراطية عندها أنياب) :: أما بعضهم الآخر فيستخدمها ليؤكد انه مطلع على كل شيء ، حتى النكات السرية التي تتعاطاها الجماهير في الازقة، وجميعهم يستخدمها لكي تنصرف الشعوب عنها .. لأن الشعوب بطبيعتها تكره أي شيء يتبناه الحكام.
    أما الإشاعة فقد عملت عمل الحكومات العربية المتعاقبة على الاستفادة منها أيضاً، منذ زمن معاوية الذي أشاع مجموعة من الأحاديث الشريفة تبشر بخلافته، وأنشئت إدارات أمنية مهمتها تحليل توجهات الرأى العام من خلال الإشاعة، عندما اتضح أن كافة الإدارات الأخرى التابعة للدولة، تكتب تقارير كاذبة ، عن فرحة الجماهير بخطاب الرئيس ، وتأييدها المطلق لمواقفه الخالدة ، ثم اكتشفت المخابرات فوائد الاشاعة، فكلفت بعض الإدارات باستيرادها - وتصديرها، ومع الوقت اتقنت المخابرات هذه الصناعة، حتى بات من الصعب التمييز بين إشاعات الحكومة، وإشاعات الشعب.
    في بعض الدول العربية لاتطال الإشاعة إلا الرئيس، وبعض ممثلى القوة، أما بقية الوزراء والمسئولين فقد تركوا لقمة سائغة للصحافيين ورسامي الكاريكاتير حتى عاقتهم الإشاعة، وشقت طريقها إلى أعلى حيث لا تستطيع الصحافة أن ترفع رأسها خوفا من أن يسقط في مثل هذه البلدان حيث يتم استئناس الديمقراطية ذات المخالب والأنياب يستشير الرئيس قبل تعيينه لرئيس الوزراء كل الحشاشين ورسامي الكاريكاتير، وأشهر مصممي النكتة في البلد وممثلى الكوميديا، والحاصلين على الجوائز الوطنية في التشنيع بحيـث يتحول رئيس الوزراء الجديد الى ملهم لكل هذه الفئات ، التي سيموت اصحابها من الجوع ، إذا اكتشفت - وهذا أمر مستبعد - " الحكمة من اختیاره وهدد بالاستقالة، أما بقية الوزراء قد صمموا ليمسح بهم بلاط مجالس الشعب عندما يستجوبهم نواب يستأسدون أمام عدسات التلفزيون» لأنهم يعلمـون ان هؤلاء الوزراء جعلت منهم السلطة ثقوبا في بلاد تنتفخ فلا تنفجر أي انهم استبدلوا شعرة "معاوية" ببالون كلما نفخت الناس فـيه تنكشف الثقوب أما في البلدان التى لا تتوفر فيها مثل هذه الخدمات ، ولا توجد صحف تتسلى ببهدلة الوزراء كل صباح، ففيها تزدهر الأسواق السوداء، حيث تقدم مثل هذه الخدمات على شكل نكتة لاذعة وإشاعات أغلبها من مصادر موثوقة
    وتصل كل الأخبار من هذه القنوات بحيث يستطيع المواطن ان يلم بانشطة الحاكم، التي لا تذيعها نشرات الأخبار، حياته الخاصة ومزاجه، وحلاقه الخاص وطبيب أسنانه وكيفية معاملته لمرؤوسيه وهي بهذا تتساوى مع بلدان الفئة السابقة ، والاختلاف الجوهري أن بلدان الفئة الثانية لا يتوفر بها وزراء على هيئة تقوب فجميع من يقترب من السلطة تسد ثقوبه الرسمية، ويحال الى السوق السوداء حيث يتولى المزاج الشعبي وخزه بلا هوادة ، حتى ليتحول إلى غربال لا ظل له. وينصت الحكام بانتباه الى كل نكتة تطفو على سطح الشارع فالنكتة "هي البيان الوحيد الذي يعلن الشعب من خلاله رأيه الحقيقي في كل شيء ، لكن الحكام العرب اكتشفوا أخيرا السلاح المضاد للنكتة ، فانتجوا مجموعة من النكات دفعة واحدة، لم تستطع الشعوب ابتلاعها ، نكات توقفت في البلعوم جعلت الشعوب تتخبط ، ليس من شدة الضحك ، لكن من شدة الاختناق.
    ومن هذه النكات الخانقة ، نكتة الديمقراطية التي لم يتورع حاكم واحد عن استخدامها بعضهم تصل به النكتة الى حد جر شعوبهم الى صناديق الاقتراع، وهو يعلم والجميع يعلم أن أصول النكتة لا تستدعى مثل هذا التصنع، وإلا تحولت الى نكتة سمجة، صحيح أنهم هجروا النكات القديمة من عيار 99.99 وخفضوها نحو عشر درجات دفعة واحدة، ولكن الجماهير ملت من اختيار نفس الشخص منذ ظهور الصناديق، أليس الأفضل ان يعين على الأقل شخص واحد فقد ذاكرته منذ الاستقلال، كمنافس للرئيس، وبعض الحكام العرب حبكت معه النكتة ، فانشأ مجلسا للشورى عين جميع اعضائه بنفسه وترك للشعب فرصة التندر عليهم، وكأنه يستبدل شعرة معاوية بدرع بشری، اذا شده الآخرون تركه لهم. وتفنن الحكام العرب في استخدام سلاحهم المضاد، حتى وصلت النكتة الى نشرات الأخبار وتحولت الى نكتة ملونة على الشاشات الصغيرة يسردها المذيعون بمنتهى الجدية، تردد كل يوم نفس النكات القديمة، مثل الرفاهية، التقدم ، الاكتفاء الذاتي، الانتصارات المتلاحقة، والسعادة التي يهنا في ظلها الجميع، ودولة المؤسسات والقانون، ووعود قطعها الحكام، ولا ينتظرها أحد، وهكذا اصبحت الجماهير تعاني من سلاحها المزدوج، الذي طالما استخدمته بأنتقائية ضد حكامها، حتى تعلم جميع الحكام كيف يردود الصاع صاعين الأمر الذي جعل الشعوب تنصرف عن قنواتها الرسمية، الى القنوات الفضائية ، حتى الاجنبية منها التي لا يفهم لغاتها أحد، عندما لم يكف الحكام عن ترديد نفس النكات لانهم يعلمون أنه لا أحد يستطيع الصمود في وجه النكات السمجة ، والمكررة التي لا تضحك إلا من يقولها ، لأنه نجح في رفع ضغط الجميع وهي المهمة الوحيدة التي نجح فيها الحكام العرب

(سبق نشر هذا المقال في مجلة (لا) العدد 65-66 سبتمبر-اكتوبر 1997 )
تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -