meta name="surfe.pro" content="78f9b56f7d1c1555df174aef016c92c9 meta name="surfe.pro" content="78f9b56f7d1c1555df174aef016c92c9" اردموا شارعنا..للصادق النيهوم
أخر الاخبار

اردموا شارعنا..للصادق النيهوم

 اردموا شارعنا..للصادق النيهوم

اردموا شارعنا..للصادق النيهوم


    بعد مائة عام من الآن سيتقدم أحد المؤرخين متطوعاً ليكتب تاريخ هذا الجيل في ليبيا ، وسوف تكونون انتم اذ ذاك قد وصلتم الى الجنة وشربتم حاجتكم من النبيذ وانطلقتم كالعادة تذرعون الشوارع بحثاً عن الحوريات . ولن يضايقكم بالطبع ما سيكتبه المؤرخ عنكم الا اذا قررت الحوريات ان يقرأن ذلك الكتاب . عندئذ أيها السادة - سوف تضطرون للاكتفاء بالنبيذ وحده، وسوف تموت الحوريات من الضحك .
أما أهل الأرض ، اعني ابناءكم بعد مائة عام فسوف يجمعهم المؤرخ على الرصيف ويقول لهم واحداً بعد الآخر بالارقام والحوادث كيف عاش هذا الجيل حياته :
. وانت ، والدك - يرحمه الله - مات كما عاش - مطالباً بالعلاج .وانت والدك مات في مدريد عندما كان يعالج تسوس الاسنان ، وقد حملته الدولة الى هناك لانه كان رجلاً فقيراً . وكان يكره والدتك العجوز ، ويبحث عن العزاء في مدريد حتى دهسه القطار . وانت والدك مات مفتوح العينين ممتلئاً بالسخط على مصلحة الاشغال ، وقد عاد شبحه مرتين لكى يطالب الوزير بعلاوة الغلاء. وأنت والدك - يرحمه الله - كان يغش في الميزان ، وكان يحب ان يركل امرأته على رأسها وقد نهض من فراش الموت أمام دهشة الجميع وركلها لآخر مرة ثم مات مطمئناً . وانت والدك كان. أحسن الرجال . وكان يكره الشيوعية والاستعمار واليهود ، وقد قضى حياته يشتمهم في المقهى حتى احرق التبغ صدره وعينيه، وقد مات تحت انقاض بيته بعد ان نقل الثور العالم فوق قرنه الآخر ، وبكته زوجاته الاربع وحلقن شعرهن ودخلن الرباط .
  • هذا الفصل المفجع سيقدمه المؤرخ بجانب فصل آخر يتحدث فيه عن سيدات هذا العصر .
 ومن المعتقد أن يبدأ الحديث بتمهيد شامل لنظرية الرجال في تفسير ، وظيفة المرأة ، وهي خطوة لا بد منها لكي يموت ابناؤكم من الخجل : والدتك الفاضلة ذهبت الى جوار ربها في حمى النفاس لان القابلة لم تغسل اظافرها من بقايا الطعام.. ووالدتك انت ماتت بالروماتيزم في قعر بيتها الرطب دون ان تعرف ان الله خلق شيئاً اسمه الشمس ، وقد فتحت عينيها عندما تعرضت للشعاع الدافىء في الطريق الى المقبرة ، ولكن والدك قرر أن يدفنها على أي حال . ووالدتك انت - يرحمها الله - وصل ثمنها الى عشرين جنيهاً ، وكانت آية
في الجمال ولكنها ماتت بالمصران الزائد ) .
ثم ينتهي هذا الفصل بخاتمة صغيرة تشهد بأنكم كنتم جميعاً رجالاً شرفاء خالين من العقد الجنسية ممتلئين بالايمان والرغبة في ستر نسائكم وتربية اطفالكم في الشارع وتحت السدة ...
ويأتي الفصل الثاني ليتحدث عن وطنيتكم ...
والدك - يرحمه الله - كان يملك عشرين هكتاراً من اجود الاراضي ، وقد نال سلفة من البنك وتزوج اربع نساء .. ووالدك انت - يرحمه الله - كان يملك نصف العالم ولكنه كان يحتقر حرفة الزراعة ويحب الحرب والبنادق وسباق الخيل ، وقد قتل معظم الفلاحين الذين تسللوا لكي يحرثوا في أرضه، ولم يستطع  القاضي أن يصدر حكماً ضده لأنه مصاب بالصمم .. ووالدك انت كان أعظم السائقين ، وقد نال رخصة قيادة واشترى قافلة من سيارات النقل وذهب ليحرث الصحراء ، ورغم ان الامريكان طردوه كثيراً ، وبصقوا فوق وجهه عندما سرق برميلين من الوقود ، فان والدك الفاضل لم يكف عن المشي بوقار فوق ارصفة المدينة مبدياً غاية الكبرياء معلناً ضيقه من الشحاذين .. أما والدك أنت فقد بني عشر عمارات وملأها بالقمح والسكان ونعاج العيد ثم جلس يقرض الشعر على ناصية الشارع حتى دهمته احدى السيارات » .
التفاصيل لا بد منها ..
ولكن المؤرخ – الذي سيتطوع لكتابة تاريخكم - مطالب باجمالها في مقدمات عامة لكي يحدد موضوع الحديث بالضبط ، لذا فانه من المتوقع ان يتوقف عند «وطنيتكم» (ليستمطر شآبيب الرحمة) ويغسلكم من ذنوبكم ثم يحدث أبناءكم عن هولندا :
ارض صغيرة في حجم اجدابيا كان الالمان قد دمروها في بداية الحرب ثم دمرها الحلفاء في نهايته ، وقد تكلفت باطعام آبائكم سنين طويلة متبرعة بانقاذهم من الموت مقابل جرادل البترول الخام وعملات الذهب .. وكان آباؤكم يغسلون ايديهم بصابون من باريس ويمسحونها في فوطة من روما ويأكلون بملعقة من اليابان ، بعد أن يصلهم الطعام من هولندا على باخرة من اليونان . وكان آباؤكم يكرهون اسرائيل، ويشتمونها فوق الصحف طوال النهار ) .
هذا الفصل سيستغرق وقتاً طويلاً لانجازه ، فليس من المتوقع ان يمر المؤرخ بمشكلة اسرائيل دون ان يتعرض لدراسة آثارها عبر الايدولوجية الليبية المعاصرة ، ويحدد كل ما فعله الكتاب والشعراء والمخبرون الصحفيون في متابعة أخبار اليهود وكشف جميع حيلهم التجارية والسياسية بالخطوط الحمراء والفلاش .
والنقطة الحاسمة التي سينطلق المؤرخ حولها لكتابة تاريخ ليبيا المعاصرة هي اعتماد الشعب الليبي بأسره ، افراداً وجماعات ، ذكوراً واناثاً ، رجالاً وانصاف رجال ، على خلية صغيرة في هذا المجتمع تعرف باسم « الدولة) فلم يحدث في تاريخ العالم ، في أي عصر وفي أي مكان ، ان ابدى أحد الشعوب هذا الاعتماد الكلي الشامل على جهود حكامه كما يفعل الشعب الليبي الآن ... كل شيء لا بد ان تفعله الدولة .. كل شيء يخص الدولة وحدها .. أما الشعب فمهمته أن يصدر الاوامر في المقهى .. وفوق الصحف "اردموا شارعنا ، وقولوا للبلدية ان تنقل التراب ، واحموا تجارنا من المطالبة بحقه ) مزاحمة اليهود، وامنعوا معاكسة. البنات ، واعطوا النادي منحه تشجيع وانقلوا سيدي للعلاج في روما ، واعطوه / بيتاً ليسكنه ، واقرضوه نقوداً ليتزوج ويذهب للحج ، واغسلوا جلده عندما يتسخ ، وازرعوا منطقة الجبل الاخضر واغلقوا دار السينما واطردوا الاجانب من بلادنا، وصاحب - النادي الليلي الذي لا يحب الليبيين . وافعلوا كل ما تستطيعونه او لا تفعلواشيئاً على الاطلاق ، فالاوامر لن تكف الصدور ، والشعب لا يكف عن المطالبة بحقه ) .
  • هنا سيطرق المؤرخ ويتصبب عرقاً من الخجل .
ويواري ابناؤكم وجوهم عن العالم .. فلم يحدث قط - ولن يحدث مرة أخرى - ان اساء احد الشعوب | فهم موقفه من الدولة كما فعل هذا الجيل أو أصبح الجهل المدلل لعبة - شعبية كما حدث في هذا العصر.. وبعد بضع سنوات اخرى سوف تتجمع الارقام الوقورة والحوادث لكي تقرر أبعاد هذه الحقيقة .. وتقول لابنائكم واحداً بعد الآخر كيف عاش جيل كامل من الناس - طوال حياته -مغمض العينين .
وسوف تكونون انتم اذ ذاك في الجنة ، متكئين على الارائك كالعادة منتظرين أن يتكفل أحد ما باطعامكم ...
لانكم - يرحمكم الله - لا تجيدون - حرفة أخرى

(سبق نشر هذا المقال في مجلة جيل ورسالة)


تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -