meta name="surfe.pro" content="78f9b56f7d1c1555df174aef016c92c9 meta name="surfe.pro" content="78f9b56f7d1c1555df174aef016c92c9" نقاش مشاكلنا .. للصادق النيهوم
أخر الاخبار

نقاش مشاكلنا .. للصادق النيهوم

 

صحيفة المنظار الليبية: مجلة جيل ورسالة

   أنا لا أنوي ان أحدثكم عن مشاكل كتاب المغرب العربي باعتبارهم كتاب المنطقة الواقعة في شمال افريقيا ، فالواقع أن ذلك مجرد تقسيم سياسي معترف به مؤقتاً .. أنا أنوي أن أحدثكم عن مشاكلنا، باعتبارنا مجموعة من متوسطي الدخل والمعرفة الذين يحاولون أن يحققوا اهدافهم في بلد متخلف مثل منطقة شمال افريقيا ..
وإذا كان هدف الكاتب ان يجعل مجتمعه يمشي خطوتين بدل خطوة واحدة فلا بد أن اسوأ مشكلة تواجهه في بلد متخلف هي أن أحداً من حوله قد لا يرغب في المشي على الاطلاق .
ذلك يعني ايها الاخوة - ان الثقافات المتخلفة في المنطقة هي في الواقع أسوأ ما يستطيع أن يواجهنا ، وأسوأ ما يواجه الآخرين ايضاً . انها نوع من القهر الثقافي الذي تمارسه الكتلة على الفرد، ويتضاءل بجانبه أي عمل للمقاومة. ونحن هنا في ليبيا نواجه هذه اللمشكلة.
نحن ما زلنا نتعلم الكتابة ، ولكننا بدأنا نواجه منذ الآن ضغطاً مباشراً من التيار الفكري المقابل، الذي يجره المجتمع وراءه عبر محنته الثقافية . فالوعي غير الكامل لا يستطيع ان يعتمد على قدرته في النقاش المنزن ، ولا يستطيع ايضاً ان يقبل شيئاً بجانبه .
أنه يرد دائماً بعنف غير متوقع ، ويجعل محاولة إحداث التغيير اكثرصعوبة من التغيير نفسه ، و هذا كل ما لدينا من النقد . اننا لا نملك ناقداً متفرغاً لاعمال التقييم : ولا نملك قاعدة النقاش العام داخل دائرة محددة من الأهداف والخطط . ان كل ما لدينا هو أفكار الكتلة الشديدة الغموض والصرامة التي تتحرك طليقة في الشارع .. وفي الاتوبيس، وفي عربات الاجرة، والمصانع الصغيرة، ومكاتب الموظفين، والجامعة وفي سوق القرية، وتحاول ان تجد لنفسها - ولنا أيضاً - منفذ للخروج غير الازقة المسدودة بأحكام دون أن يتنبه احد ما الى الحقيقة القديمة القائلة بأن افكار المجتمع المتخلف لا تستطيع في نهاية المطاف ان تنتج سوى الأهداف المتخلفة.
فالمشكلة أن النوايا الحسنة وحدهـا لا تكفي .
والمجتمع المتوسط الوعي، ينقسم عادة في داخله الى مجموعة من الخلايا العمياء، التي لا علاقة بينها سوى أنها بحكم ظروفها السياسية - تعيش داخل حدود واحدة والكاتب، وهو رجل مهنته الحلم في الدرجة الاولى، لا بد ان يصطدم بهذا الواقع في نهاية المطاف ، ولا بد ان يجد نفسه مضطراً إلى اختيار طريقه عبر الطرق الأخرى المزدحمة بالصراع. وهذا بالتأكيد ان يجد الكاتب نفسه متطورطاً بدوره في تبني افكار احدى الخلايا ضد بقية الكتلة ومتورطاً ايضاً في اسوأ انواع الخلق الشعري.
فالمجتمع المتوسط الوعي لا يقيس اعمال الفن باعتبارها مجرد حلم شعري لتحقيق الأفضل . أنه يريدها أن تقف الى جانبه في الدرجة الاولى ثم تحقق بعد ذلك قيمتها الفنية .. فاذا عجز الكاتب عن الاستجابة الى هذه الرغبة الحافلة بالنفاق .. فانه في العادة يخسر معركته
قبل أن يخرج من مرحلة الحلم مهما كانت موهبته قادرة على الاخصاب .
والخسارة، هنا ليست مجرد لعبة عادية لاخلاء مكان الصراع ... فالكاتب لا يشعر بالعداء تجاه مجتمعه . بل تجاه العوائق الثقافية غير الخصبة التي تعوق تحقيق التقدم داخل ذلك المجتمع والكتلة لا تشعر بالعداء تجاه الكاتب لأنها لا تعرف يقيناً انه الى الاساءة اليها بل انه يهدف الى اعطائها افكاراً أفضل.. وذلك بالضبط ما حدث في معظم فترات التاريخ المخجل المليء بالصراع بين جميع الراغبين في الاصلاح من سقراط الى عيسى المسيح ، وبين الكتلة المتهرئة على ارصفة الشوارع .
انها حساسية الثقافات المتخلفة التي تبدو أحياناً أكثر قدرة على القمع من أي نظام سياسي محدد الابعاد .. ونحن هنا في ليبيا نواجه حساسية ثقافتنا المتخلفة بدون معونة تقريباً.
اننا لم نتعلم بعد كيف تحقق مستويات الخلق الفني المعروفة في العالم ، ولم نتعلم ايضاً كيف نعرض افكارنا عبر قيمتها الفنية الخاصة .
ولكن ذلك كله لم يجعلنا نتجنب الوقوع فريسة الخوف من مواجهة اخطائنا . فنحن لا نستطيع ان تغامر بالخطأ لأن ذلك يكلفنا كل ما لدينا تقريباً ويكلفنا مواجهة المجتمع نصف الشرس الذي يرفض وسائل النقاش عادة قبل ان يبدأ النقاش .
وانا اريد ان اضع بين ايديكم مجموعة من الامثلة المحددة لكي لا يبدو هذا الحديث مجرد لعبة غامضة في تشويه واقعنا هنا
فنحن في ليبيا - مثلكم انتم في بقية بلدان شمال افريقية - نعيش داخل مجتمع امي يعتبر القدرة على الكتابة والقراءة منحة من السماء .ويستورد معظم افكاره من الخارج ، ويمضغها من بقايا ثقافته المتهرئة لكي يصنع منها في نهاية المطاف عيد الكرنفال والثقافة.
ونتيجة اللعبة المملة اننا وقعنا بدورنا - مثلكم أنتم في بقية بلدان شمال افريقيا - داخل بوتقة باردة لا تؤدي مهمتها في احداث عمليات الصهر..وبدا المجتمع من حولنا مجرد مجموعة من الخلايا غير المنسقة التي تسير في جميع الاتجاهات وتتبنى كل الخطط داخل قارب واحد :
والرجل الليبي الذي تجاوز الأربعين من عمره حشا رأسه بتجارب الحرب والاستعمار وجلس في المقهى لكي يحارب اسرائيل ، وبنات المدرسة المجاورة والتنانير القصيرة ، ويمتدح لنا عصر الفضيلة ايام الطليان .
والرجل الليبي الذي تجاوز الستين من عمره حشا رأسه بأقوال الفقي التركي الذي كان يبيع له المعرفة في الجامع مقابل ثلاث بيضات في الأسبوع ، تم جلس فوق النطح بقية حياته لكي يضع كل ذنوبه فوق عاتق الشيطان . ويعلق أحلامه في اصبع القدر ويستهلك ما ينتجه اولاده في انتظار الذهاب الى الجنة . فإذا قرر ذات يوم أن يتخذ موقفاً ما تجاه مجتمعه فان موقفه في الغالب مجرد رفض متعمد مقام على
التهديد بالجحيم وغضب الله ايضاً كأن الجحيم مجرد مكان معد للناس السيني الحظ الذين لم تتح لهم فرصة الولادة في عصر الفقي التركي.
والرجل الليبي الذي لم يتجاوز الثلاثين، وقع فريسة الصراع بين مناهج المدرسة المتقدمة، وبين مناهج مجتمعه في الشارع، وطفق يبحث عن مكانه في الثقافتين الغربيتين دون معونة من كبار السن . فهو يقف وحده في عالم جديد وصل الينا - مثل بقية مستورداتنا من الميناء قبل ان نتعرف عليه بطريقة مجدية، وقبل ان نعد له امكانيات الخبرة ايضاً. والنتيجة أن يقف شبابنا على عتبة البيت الليبي كالغرباء،و يقفون على عتبة البيت الأوروبين كالشحاذين دون أن يبدو ثمة ما يدعو حقاً إلى قبول تلك التضحية .
والعجوز الليبية التي تجاوزت الثلاثين أصبحت اكثر من عجوز، ولم يعد ثمة ما تريد ان تحققه سوى أن يتصدق عليها زوجها بثمن التذكرة إلى مكة .... فقد تعلمت طوال عشرة قرون من المعاملة السيئة، ان كل ما تستطيع ان تفعله لكي تحوز رضاء الله وتذهب الى الجنة ، هو ان تتزوج رجلاً لا تعرفه، وتذهب معه الى بيته، لكي يحلبها لاطفاله، ويعلقها على جدار المطبخ مثل بقية الصحون، ريثما يوفر لها ثمن التذكرة إلى مكة .
والفتاة الليبية التي لم تتجاوز العشرين، تعلمت في المدرسة مجموعة من الأفكار، التي يبدو أنها صممت لكي تعرض حياتها للخطر مثل أي حيوان نادر في مجتمع من الصيادين ... فوالدتها مستعدة لأن تفهم أي شيء إلا أن ترى ابنتها تعتبر نفسها نداً لأخيها، وترفض أن تغسل الصحون .. ووالدها مستعد لأن يتركها تضيع وقتها في المدرسة، ما دام ابن عمها لم يصل لكي يتزوجها ، ولكنها لن تملك فرصة
واحدة للذهاب الى اي مكان، اذا وصل ابن عمها فجأة من معسكر البترول، متورماً بالنقود والعضلات، وطالب بحقه في امتلاكها .. ان الفتاة الليبية تمثل قمة الصراع في مجتمعنا الحالي . ولكن الآخرين ايضاً ينالون نصيبهم بعدالة .
هذا لا يعني - ايها الاخوة - ان اشقاء كم في ليبيا مجموعة من الوحوش المتقاتلة، فالواقع ان الصراع الاجتماعي عندنا - مثلكم أنتم في شمال افريقيا - مجرد ظاهرة من ظواهر حب البقاء التي تتنازعها الثقافات المتباينة .. فنحن ايضاً نبني علاقتنا على الحب الابوي ومخافة الله، والزغبة في تحقيق الافضل، واختيار المنهج الاكثر سلامة، ولكن مشكلتنا اننا لا نستطيع أن نتفق فوراً على نتيجة الاختيار ، فنحن لسنا - في الواقع - مجرد مجتمع واحد . مجتمع واحد أمي .. وهذه بالصبط هي مشكلتنا .
فانظروا عبر النافذة ... اننا لا تختلف عن بعضنا من الداخل فقط بل من الخارج ايضاً ... انظروا جيداً الى ازيائنا . انها تبدو مثل حفلة تنكرية دائمة .. اعني مثل عيد الكرنفال . فالحذاء الذي يضعه العجوز في قدمه لا علاقة له بشكل الحذاء الذي يلبسه ابنه .. أنهما يختلفان من الرأس الى أخمص القدم، في شكل الحذاء والقبعة وشكل القميص ايضاً ، ويستمدان ثيابهما الخاصة من الفترة الواقعة بين الفتح العربي في القرن السابع وبين العام الماضي.
وبالنسبة للنساء تبدو اللعبة أكثر مدعاة للدهشة ، فالعجوز الليبية ما تزال حتى الآن تتبنى نفس الزي الذي جاء الينا من عصر هانيبال في قرطاجنة، فيما تجلس ابنتها بجانبها في موضة هذا العام داخل غرفة واحدة .. اننا تختلف من الخارج بطريقة مريعة ،ولكننا في الواقع تختلف من الداخل اكثر .
فأين طريقنا في الزحام ؟
اننا لا نستطيع أن نكتفي بالفرجة وتبادل النكات لان مهمة الكاتب حتى اذا كان كاتباً بدائياً، تزيد دائماً عن مجرد الفرجة ، انه لا بد أن يجد لنفسه هدفاً ما يساعده على تقوية امكانياته، ولا بد أن يبحث عن رضاه النفسي بمحاولة العطاء . فالمرء في العادة - حتى في الثقافات المتخلفة - يحترف الكتابة لانه يعتقد أن لديه تمة ما يقوله فاذا ثبت له خطأ ذلك الاعتقاد بطريق أو بآخر فانه لابد ان يقع فريسة لليأس. . فماذا بوسعنا نحن أن تقول لمجتمعنا المعقد التركيب ؟
انا لا أنوي أن أطلب عونكم ، فأنتم أيضاً في الواقع نحتاجون الى البحث عن اجابة هذا السؤال لأنكم تعيشون - نفس المشكلة ، ولان شمال افريقيا لا تملك شيئاً تقدمه للمعونة في ايجاد الحل . اننا نجلس جميعاً في قارب واحد مليء بالجرذان من أقصى نقطة في أمريكا اللاتينية الى تلال أفريقيا غير الخضراء. وليس بوسع احدنا أن يمد يده للآخر دون ان يتسبب في اغراقه .
اننا لا بد ان نحاول حل مشكلتنا بأنفسنا . ومشكلتنا هنا في ليبيا اننا تبرعنا في إحدى لحظاتنا الشعرية بقيادة القافلة التي تمشي في اتجاهين مختلفين ، وبقي علينا أن نغمض أعيننا ونفترض أن الله لن يتركنا في نهاية المطاف بدون - نقطة التقاء
معظم عاداتنا هنا تدعو الى الخجل . فنحن ما زلنا نفحص زوجاتنا ليلة الزفاف بأصابعنا، وما زلنا نعلم الحياة لأطفالنا بعصا المقشة ، ونحطم أرجلهم في الجامع بعصا الفقي المتوحش ونعلمهم الكذب عندما نقول لهم ان تلك العصا قد هبطت من الجنة مع سورة القدر . اننا نملك كوماً كاملاً من العادات المريضة التي تستطيع بمفردها ان تتسبب في ارهاق مجتمعنا الى حد خطر ، ولكننا لا نستطيع أن نعرضها للنقاش دون أن : نتورط في المقامرة الخالية من النتائج . فالناس في شوارعنا لا يحتملون وخزات النقد دون ان يفقدوا صبرهم نتيجة الحساسية المفرطة التي تتسم بها أية ثقافة غير ناضجة . والمرء يستطيع بالطبع أن يغمض عينيه ويقرر أن يجرب حظه في تأدية واجب النقد الشجاع ولكنه بالتأكيد لن يكون بوسعه أن يواصل اغلاق عينيه عندما يفاجأ في اليوم التالي بأنه قد وقع فريسة المقالات النارية التي يتبرع بها المرتزقة للدفاع عن اي شيء. انه يستطيع أن ينهض في الصباح ويكتشف انه قد أصبح جاسوساً صهيونياً او ابن عاهرة سكيراً مليئاً بالفضائح أو عدواً لدينه ووطنه . فليس ثمة حد على الاطلاق لمجموعة الشتائم المملة التي يستطيع المرء ان يتعرض لها اذا قرر ذات يوم أن يقول شيئاً يؤمن به .
فالفرد لا بد أن يؤمن بأفكار المجموعة . هذا هو القانون العام في كل مجتمع متخلف ، ونحن هنا في ليبيا - مثلكم أنتم في شمال أفريقيا - نعاني كثيراً من جراء هذه اللعبة المميتة. والمرء لا يستطيع أن يتنبأ قـط بموعد بدء المعركة . فالمجتمع لا يملك قائمة خاصة بالموضوعات الممنوعة المريعة التي لا يرغب في مناقشتها . انه يتركك تهذي كما تشاء دون هدف محدد ثم يعترض طريقك ذات يوم ويقول لك انك جاسوس صهيوني دون هدف محدد أيضاً. فالنقد هنا يأتي بالصدفة ، أعني بالحظ وحده
فأنت تستطيع أن تفلت بمقال شديد اللهجة في اعلان ضيقك من احدى عاداتنا ، ولكنك قد تدفع سمعتك في المرة القادمة ثمناً لمقال اكثر اعتدالاً بشأن تلك العادة نفسها . أنها لعبة مقامر في الدرجة الأولى ، ولكنها أيضاً تسبب بعض الالم .
فاذا كنت قد اعتمدت على حظك أكثر مما يجب ، فان مجتمعنا يستطيع أحياناً أن يجرك للمحكمة ويتركك تدفع ثمناً حقيقياً بالعملة المتداولة لمحاولتك الطائشة في اصلاح حاله . النقد لان العقل غير الناضج لا يعتبر مجرد محاولة لفتح باب النقاش في فكرة ما ، بل يعتبره اهانة متعمدة تم تدبيرها باتقان على يد ولد تافه يتعاطى الكتابة وبعض العادات السيئة الأخرى، لكي يشغل وقت فراغه.
ان مجتمعنا في ليبيا ينظر الى الكاتب من أعلى ، ويعامله باعتباره مجرد ولد نصف شقي عاطل عن العمل ، لان الكاتب ظاهرة جديد في هذا المجتمع . انه بدوره مجرد بضاعة مستوردة من أوربا ، فالالتزام بأداء مهمة النقد، وقبول التضحية من أجل كلمة الانسان صفتان جديدتان في قاموس الكاتب العربي في كل مكان. اننا لم نعرف هذه المهمة في كل عصورنا الادبية الزاهرة . ولم نعرف أيضاً أن الكاتب يملك هدفاً معيناً في اصلاح مجموعته . لقد كنا نقول الاشعار في بلاط القاضي والامير وكنا نبيع القوافي المدهشة على أرصفة قصر الخليفة ، ونكتب الرسائل في الحيوان والشيطان معاً ، ولكننا لم نعرف قط أن علينا واجباً اجتماعياً تجاه باعة الماء في حارة هارون الرشيد .
لقد كنا أفضل أدباء العالم ، ولكننا بالتأكيد لم نكتشف قط أننا ملتزمون . اتجاه مجتمعنا لقد تعلمنا ذلك من أوربا . تعلمناه من الديمقراطيات الحديثة التي صنعت هذا النوع من الكتاب عبر انتفاضة الثقافة الغربية لاسترداد حقوق الانسان لقد تعلمناه مرة واحدة مع آلة الطباعة وفكرة الصحافة الحرة ، ولا بد أن ندفع الثمن من أجل بضاعتنا الجديدة جزءاً حقيقياً من المجتمع . ذلك يعني أن دفع الثمن من جانبنا جزء من مهمتنا نفسها .
ولكن المجتمع الذي لا يقابلك في منتصف الطريق يجعل أداء هذه المهمة مجرد نوع من الموت الشعري الذي يلقاه المرء في جرائد الصباح ، فنحن في ليبيا نستطيع ان نوجه النقد لادارة الاشغال ، والبلدية وشركة الحافلات ولكننا لا نستطيع أن نواجه كتلة الشعب بالنقد دون أن نتورط في عملية الليبي ما من عمليات سوء التفسير تماماً كما يحدث عندكم في بقية بلدان شمال افريقيا.
والنتيجة أيها الاصدقاء ان كل مسيح يحمل صليبه ، ولكننا في ليبيا نصنع صلباناً أخف قليلاً لان كتابنا يستطيعون على الاقل أن ينسوا متاعبهم في أثينا نتيجة الرخاء العام . ثم انهم يلقون حماية شبه كاملة من الدولة .
فهل أقول لكم بقية المشكلة فيما يخص قضيتنا العامة ؟ نحن أخوة في العروبة وتربط بيننا اللغة والدين.
ولكننا مع ذلك لا نملك قاموساً موثوقاً به في لغتنا ، ولا نستقي معارفنا منها أيضاً. انها لغة خالية من الكلمات ولم تنل شيئاً من الدراسة ، ولم يهتم أحد بتطويرها واذا ذكرت لكم أن اللغة الروسية تملك أكثر من عشرة ملايين كلمة على الاقل بدا لنا بوضوح مدی ضآلة الرباط الذي يربطنا في المغرب .
ان فقر اللغة العربية للمفردات مشكلة ، وفقر مكتبتنا الى الدراسات المعاصرة ، مشكلة اخرى ، ولكننا لا بد أن تعترف بأن ذلك حدث في البداية لكل الشعوب المتطورة .. انه يحدث في الطريق الى أعلى وتدفع الحياة الثقافية ثمنه في نهاية المطاف عندما يكتشف المرء انه يملك في مطبخه مجموعة من الآلات التي لا يعرف أسماءها في اللغة الام . ان ذلك حدث لكل الشعوب على حد سواء وسوف يظل يحدث للآخرين أيضاً حتى يتعلم الانسان ذات يوم ان الله لم يضع رأسه فوق بطنه عبثاً ... والانسان أيها الاصدقاء هو ما يجمع بيننا هنا ..
انه ليس في اللغة العربية وحدها. ولكنها اللغة العربية التي يتكلمها انسان هذه المنطقة لاننا لسنا مجرد وحدة خاصة من ايدولوجية العالم . اننا جزء من الانسان في الولايات المتحدة وفي بوليفيا ومدغشقر وفلسطين ، وليس في وسعنا أن نتجاهل هذه الصلة في تحقيق ذاتيتنا. اننا لا بد أن نتصل بالعالم من أقرب نقطة . ولا بد أن نشعر بالتزامنا تجاه قضاياه. فالانسان وحده هو سيد هذا العصر ، وليس ثمة ما يستطيع أن يربط أحداً ما بشخص آخر أكثر من شعورهما المشترك بقيمتهما الانسانية . فماذا نستطيع نحن هنا أن نفعل .
ان لدينا سلة قديمة من العادات السخيفة والتقاليد التي تعوق تقدمنا، ولا بد أن نحملها فوق أكتافنا وتلقيها في البحر ، سواء أراد مجتمعنا.
أو لم يرد ، لان ذلك في الواقع لا ) يخصه بقدر ما يخص الجيل القادم الذي لم تتح له فرصة ابداء الرأي .
ولدينا سلة أخرى من المصادر الثقافية المتفرقة التي وصلت الينا من عصر ما بين الفراعنة وبين السلطان عبد الحميد وجعلت ازقتنا تمتلى بالاولياء والشحاذين وبنتة الكتب الصفراء .. كأن بلادنا ملاذ الخوارق حمل القرون الوسطى، هذه السلة لا نستطيع أن تلقيها في البحر لأن ذلك هائل لا يمكن دفعه مرة واحدة . ولكننا لا بد أن نبذل جهدنا لكي ننغص عليها كل يوم تقضيه بيننا ونحاول أيضاً أن نجعلها تبدو قبيحة مثل اسرائيل على الاقل .
بعد ذلك أيها الاصدقاء نحن لدينا القرآن . لدينا النص السماوي الوحيد في العالم الذي يمكن الوثوق بكل كلمة فيه . ولدينا نتائج هائلة من الدراسات الحديثة التي تصلنا بلا انقطاع من كل الاتجاهات . ونحن نزمع أن نجعل هذا الكتاب العظيم نصب أعيننا في تحديد مواضيع النقاش . فليس ثمة كاتب ليبي واحد لا يستشعر هذه الحاجة الى تحديد معالم الطريق ، ولكن دراساتنا لا بد أن تؤدي دورها في تقديم الجيل التالي الى مكانه في العالم المفتوح .
فالدراسات الدينية لا علاقة لها بالتشريع السماوي، والمرء لا يستطيع أن يقبل ابقاء الباب مقفولاً، بحجة الفقهاء وحدهم فالدين ليس مهنة،لاحد انه علاقة بين الله وبين انسان من خلقه تخرج عن اختصاص الفقي . ونحن نملك القرآن . نملك النص السماوي الوحيد الذي وصل الى العالم كاملا فاذا استطعنا أن ننقله اليه بأمانة أكثرواذا كنا لم نفقد ايماننا بأنفسنا فأنا أتوقع أن نساهم في ايجاد جسر مثانة بين انسان هذا العصر - الذي فقد ايمانه في الرومانتيكية الدينية - وبين الله فالمسيحية خسرت معركتها لأنها كانت تحارب عقل الانسان .
لقد ظلت تمطره بالخرافات عن القديسين وانصاف القديسين ، وظلت تمتهن عقله بقصائد الشعر المعقدة وبيع الاماكن الشاغرة في الجنة حتى اعتراه الملل ذات يوم وقرر أن يذهب الى اننا هنا لا بد أن نتجنب الجحيم .
هذا الفخ ، فالاسلام لا نفسه يضع في طريق العقل البشري الباحث عن المعرفة وليس من مصلحة أحد أن يحاول أن يضعه هناك . لان ذلك في نهاية المطاف مجرد عمل ضد ارادة الله . وما دام الله يريدنا أن نعرف ، فمن يستطيع أن يحرمنا من هذه المنحة دون أن يتعرض للخسارة .
اننا أيها الأخوة تملك كثيراً مما نستطيع أن نعطيه اذا بذلنا المحاولة باخلاص عبر منهج انساني متشوق الى الافضل يضع نفسه في خدمة الفضيلة الشجاعة التي تقود الى تبني الخير من أجل كل انسان في العالم.فالانسان وحده هو جوهرة الله .والباقي مجرد خرز ملون .
الباقي مجموعة من الاطماع الصغيرة والحيل السياسية ووسائل كسب العيش من أي باب والجري وراء الجاه أو الثروة . والمرء لا يستطيع أن أمله في هذا العبث دون أن يواجه خيبة الأمل في نهاية المطاف
انظروا الى العالم . ان كل شيء تم بناؤه على غير قاعدة الانسان قد انهار فوق رأس صاحبه من الاسكندر المقدوني الى الرئيس ليندون جونسون لم تستطع الحرب أن تثبت شيئاً سوى انها جريمة خالية من النتائج . ومن الاسكندر المقدوني الى عصر هتلر لم تستطع العنصرية البلهاء أن تثبت شيئاً سوى أنها جريمة خالية من النتائج ومن الاسكندر المقدوني الى هذا اليوم لم تبق في العالم سوى الاعمال الكبيرة التي أقيمت لخدمة الانسان . اما الباقي فقد انهار فوق رؤوس أصحابه .
اننا - أيها الأخوة - لا نستطيع أن نتجاهل حقائق الحياة الكبرى . ولا نستطيع أن نترك الاطماع السياسية الصغيرة تقودنا من أنوفنا لاداء واجب الخدمة تجاهها باعتبارنا مجرد مجموعة من شعراء البلاط العباسي . ذلك العصر انتهى الى الابد والسيد الخليفة لا ينال ولاءنا لاننا نحتاج الى خلعته بل لاننا نعتقد أن بوسعه أن يحقق حياة أفضل لانسان منطقتنا فاذا رأيناه يشنق مواطنيه في الشارع ويعلقهم من أعناقهم أمام المارة والكلاب الضالة والذباب
، فان السيد الخليفة لا بد أن يسمع استنكارنا . اننا لا يجوز أن نتردد لحظة واحدة في اعلان خيبة الامل تجاه ما يحدث للانسان . حتى اذا كان ذلك الانسان مجرد جاسوس صهيوني ، حتى اذا كان مجرد عدو خطر ، فان تعليقه ميتاً في الشارع عمل لا يمكن قبوله . ونحن لسنا في حاجة الى اسرائيل نحس بالعار تجاه ذلك العمل اننا لكي نحس بالعار تجاه اهانة جلال الموت الانساني ..ونحس بالعار تجاه ارهاب المخبرين السريين ووضع الكمامة فوق فم الانسان البائس كأنه مجرد كلب شرس لا يؤمن جانبه . ونحن لا يجوز ان نجعل جرائم اسرائيل تجاه مواطنينا مبرراً لقبول اخطائنا . فالحرب ضد جميع اسرائیل حرب انسانية في الدرجة الاولى تهدف الى رفع الارهاب عن
الانسان اللاجىء واطلاق حريته في القول والعمل . واذا كان كل ما نستطيع ان نعطيه للاجئين بعد ذلك هو ان نكمم أفواههم وتؤمم صحفهم وتعلقهم ميتين في الشارع فان حرب التحرير لا أن تنال من جانبنا اسمها الحقيقي الذي يصمها بالعبث .
اننا أيها الاخوة لا نملك مقياساً آخر سوى شرف الانسان . ولا بد أن نعتبر اسرائيل عدوتنا لانها تهين ذلك الشرف ولانها دولة عنصرية مقامة على التمييز الديني الذي لا يمكن قبوله بأي حال والحرب ضد اسرائيل هدف يهمنا تحقيقه ولكن بوسائل الانسان وحده ذلك يعني بالصلابة والعناد الشريف ورفض المساومة واحتمال النتائج المتطاولة الصراع مهما بلغ الثمن في نهاية المطاف .
أما الوقوف في منتصف الطريق واجراء التجارب بالمعارك العاجلة و استعمال الجنود مثل أرانب المعمل وارهاب المدنيين وتعليقهم ميتين في الشوارع فانه عمل لا علاقة له في الواقع باسرائيل . انه مجرد خطة شبه مديرة لجعلنا أضحوكة في أفواه الآخرين ووصمنا بالبدائية والتأخر وتبديد امكانياتنا بعيداً عن الهدف . وقد خاص هذا العالم حرباً طويلة ضد المانيا النازية ، وقاتل من أجل المبادىء التي نقاتل نحن من أجلها واستطاع أيضاً أن يظفر برضاه كل الشعوب وكل الثقافات لانه تعلم أن يقنعها بأن المانيا النازية دولة ضد الانسان نفسه ، وانه ليس ثمة اختيار آخر أمامه سوى أن يقاتلها بأظافره ويقاتلها في و المدن والقرى والبحر والجحيم، حتى يسحقها بعناده البطولي . هذا ما قاله ونستون تشرشل رداً على طلب الهدنة الواردة من المانيا . وهذا بالضبط ما فعله أيضاً في نهاية المطاف .
أما نحن فقد بدأنا حربنا بمثابة تجربة عاجلة لاختيار مدى اصرار اسرائیل على البقاء. كأننا كنا نعتقد أن اللعة كلها مجرد مزاح بالمدافع الرشاشة . وعندما تأكد لدينا ان اسرائيل تنوي حقاً أن تبقى في أرضنا عقدنا معها . هدنة ، وبدأنا نقول للعالم أنها مجرد سرطان خبيث يهدد كياننا دون أن تتذكر أن المرء لا يعقد هدنة السرطان. وخلال عشرين عاماً من التردد والخداع وبيع الاكاذيب للمواطنين التعساء وقراءة الاشعار في نشرة الساعة الخامسة لم يعد العالم يعرف شيئاً عن مأساتنا في الشرق الاوسط سوى أننا في حالة حرب وهمية مع اسرائيل . واننا تمثل مسرحية سياسية بحثت اللاجئين المنصورين جوعاً .
وبدأ العالم يحتقر لعبتنا . ثم بدأ يحتقرنا أكثر عبر زحمة الانباء الواردة عن الارهاب العسكري في مدننا وقطعان المخبرين السريين وتعليق المواطنين في الشوارع مثل أكياس الرمل. وفي نهاية المطاف بات علينا أن نواجه تساؤل شعوب العالم عما اذا كنا بدورنا نازيين أكثر من اسرائيل انه سؤال حافل بالمرارة تعلقه في عنقنا الأمة العربية المجيدة وضعف الارادة والموت بالقطاعي في افتتاحية الصحيفة الرسمية والنفاق الساذج في وجه الموت أيضاً .
فيا أصدقائي.
ان الفرق بين اسرائيل وبين ألمانيا النازية فرق ضئيل للغاية . العالم كله يعرف ذلك . ولكن الفرق بين الانسان الذي قاتل هتلر دفاعاً
عن شرفه وبين الأنسان الذي يقاتل اسرائيل في الشرق الأوسط ما يزال شاسعاً الى حد يدعو الى الرئاء. ومهمتكم ألم، ومهمة الآخرين أيضاً أن تجدوا أيديكم لانسان منطقنا لكي يعرف مكانه بالضبط قبل أن تقتله کل أشعار الاذاعات وقبل أن يضيع وقته في ممارسة النقد الشجاع المحالي من لعب المجاملة العمياء والحماس والغرور المناهي البشاعة الذي تسبب دائماً في خداع الانسان .
أنها معركة يقف فيها الله الى جانبكم ، وليس ثمة شك أنكم لن تخسروا على الاطلاق ما دامت الرؤية واضحة أماكم وما دام الجانب الآخر الحنا سوى المخبر السري لا يقم الأبله وشاعر البلاط العباسي الذي يكتب مقاله الأسبوعي جائيا على ركبتيه
ان الله - أيها الاخوة - لا يقف هناك. أنتم تعرفون ذلك .. وتعرفون أنه تركهم يندحرون امام اسرائيل وأمام أنفسهم دون أن. يمدهم بشيء عنده سوى العواصف والمطر من فهل تتركون مواطنيكم يرتكبون الخطأ مرة أخرى ؟ وهل ترون ثمة شيئاً في العالم لا تستطيع أن نضحي |به لكي نعود الى رحاب الله ؟ أنا لا أنوي أضيع وقتكم في ترديد الاسئلة ، ولكني أريد أن أتمنى لكم حظاً حسناً في اختيار الاجابة السليمة. لان ذلك يهمنا كثيراً





  














تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -