أخر الاخبار

قصة الفقي محمد .. للأديب الراحل علي مصطفى المصراتي

   
جلس الفقي محمد على النطع الذي يكاد أن يتلبد من كثرة الجلوس والذي كان قد اتخذه من فرو أضحية العيد . وقد تناثرت عليه نقاط من الحبر الأسود والأحمر.والتصقت به غبرة من حجر الممحاة الصفراء .واتكأ على الوسادة من نوع - الباصمة - الممتلئة بالصوف، والتي غرزت من ثقل كوعه .
    في يده عصاه الطويلة تلك الجريدة الخضراء التي شقت من طرفها والتي يقال أنها ـ من عصي الجنة قد أرهبت عيون الأطفال بمنظرها وألهبت أجسادهم وهي تهوي على الأشقياء منهم، ومن أهمل في حفظ لوحه، وأحياناً يعوض عنها ـ الفلقة ـ التي ركنت عند الباب وكأنها عفريت يبعث الذعر في نفوس الأطفال.الويل لأقدام من يربط بها .
إن صعوبة حفظ الدرس ومزاولة اجتراره، والحضور مبكراً أسلم من ربط القدمين في هذه الآلة الخشبية . قد يمرس بأصابعه إذن التلميذ حتى تكاد أن تمملص وتحمر
    يرفع الفقي صوته الجهوري مدوياً بالكلمة، ناطقاًبها في ترنيمة ، ومط موضحاً لمخارج الحروف وضم الشفتين، واتساعهما، وراءه لنطق السليم وبصوت تقليدي جماعي مثل - كورس - بردد مقطع أغنية، ولكن هذا - الكورس - الشقي فيه الصوت المرتفع والصوت الأخن ، والأجش ، والواضح، والخافت والمترقرق .
    أصواتهم تختلف كملامح وجوههم..كأفكارهم. تلك الأفكار التي تشغل دماغ أكثرهم، فهم يرددون مقاطع الكلمات، معلقين بصرهم في الشيخ أو في سقف الحائط ناظرين خيطا من العنكبوت يتدلى، أو في ضلفة الشباك التي بهت لونها أو في عش عصفور كان يطير عند الصباح . وقد يهربون بخيالهم إلى البيت .. إلى "الشكماجة" التي وضعت فيها الجدة قطع حلوى - الشكار - الملون المخطط بالأحمر والأصفر والأزرق، أو برسيل التمر العسلي المذاق الذي يوجد عند شوال الشعير في النوالة. أو يهرب بعضهم بخياله إلى تذكر قصعة العصيدة والسمن مع العسل حيث أكلوا في صباح الأمس ولعقوا أصابعهم بعد هذه الأكلة الشهية . . لا زال طعمها في حلوقهم.
ويتمنى بعضهم أن يفلت من هذا الدرس واللوح والقلم ووجه الفقي، وينطلق إلى تلك الأرجوحة الصغيرة التي ربطت بحبل عند مدخل الدار، وكان يتأرجح عليها مع أخته الصغيرة، ويتحسس الكدمة التي أصابته من تجربته في التشعلق عليها .
يود أن يكمل الدرس بسرعة ويتحسس أحدهم قرشاً صغيراً وضعه في جيبه، ويتخيل أنه يستطيع أن يشري به السوق كاملاً، ويتحسسه للمرة العشرين خوفاً من أن ينفلت من ثقب الجيب الذي خاطته أمه ورقعته للمرة العاشرة، وهددته بأن تغرز الإبرة في جلده لو ثقب مرة أخرى، فقد تعود أن يضع في جيبه أشياء ثقيلة .
    ما زال الفقي يردد الكلمات بصوته المرتفع الذي يصل إلى عتبات المسجد والسوق . صوت لا يبهت ولا يلين. قد سوى صفوف هؤلاء الاطفال حوله .. حلقات أو صفوف ثلاثة أو أربعة . قد سوى صفوف هؤلاء الأطفال أمامه وقد يكونون في شبه حلقات، كل حلقة أو مجموعة بحسب سنها، والشوط الذي قطعته فيهم من وضعته أمه لأجل أن يبقى هنا خيراً من البقاء في البيت فهي تريد أن تتفرغ لقضاء مستلزمات البيت .وما زال صغيراً لا يعي ولا يفقه شيئاً، ولا يستطيع أن ينطق الكلمات بوضوح.،لا يستطيع أن يصبر على الدرس والجلوس طويلاً في مكان واحد على هيئة واحدة .
    ولكن الشيخ يقبل هؤلاء الصغار من الأطفال وأمثالهم خوفاً أن يعبثوا في البيت أو السوق. وهناك في هذا الكتاب من يجيد ـ الرشم ـ أي الكتابة على خط اللوح .فهو يقلد ويحاكي هذه الحروف والسطور التي يخطها الشيخ حتى تتمرن يده وفيهم من الطلاب من قطع مرحلة وحفظ بعض السور والآيات. وفيهم - العريف - الذي يساعد الشيخ في مراقبة هذه الصفوف وحفظ النظام والذهاب ليأتي بالهارب منهم ويسأل عن الغائب.
    وهذا العريف قطع مرحلة كبيرة ويكاد يكمل حفظ القرآن . وله أزيد من خمس سنوات وقريباً يحتفل برمي اللوح ", قبع هؤلاء في الحجرة التى تكاد أن تكون معتمة لولا هذه النافذة المطلقة على المسجد والتي يدخل منها النور، وينتشر الضوء.
وضع الشيخ الفقي في الشباك عصاه التي يتوكأ عليها . هذه العصا ذات المقبض الذي كان منذ سنوات عاجياً، ثم تغير لونه بحكم السنين والعرق. سند بهذه العصا ضلفة الشباك الذي يصطفق من الريح. وبجوار هذه العصا قد وضع حجرة بيضاء اكبر من حجم الكف. وهي من الأحجار الطبيعية التي لم تدخلها الصناعة ولم تحرق بالنار يتيمم عليها الشيخ الفقي. فهي بديل له عن الوضوء عندما يكون مريضاً أو به أذى، أو عندما بنته البرد في هذه المنطقة الجبلية شديدة الرياح والعواصف وقد يجمد فيها الماء. ويأمر الشيخ الفقي التلاميذ أن يضع كل واحد لوحة عند السددة المعنية من الآجر والتي ترتفع زهاء متر عن الأرض. هناك بجوارها حوض قديم من الرخام الأصيل مستدير من عصر الرومان . أو هي من البناء الجاهلي - كما يصفون هذه المخلفات من الاثار قاعدة قد تأكلت بمرور الزمن . ونحت في حزام الحوض الرخامي أنواع من، الشجيرات والأعشاب والزخارف.وبجوار هذا الحوض زجاجات الخبر المأخرة من الصوف المحروق داكن واتخذت الأفلام من البوص.
    والشيخ الفقي كما يقوم بالمهام الدينية والدنيوية، فهو بجانب هذا يقوم بمهمة تتصل بالطب. يقوم بمهمة ختان الأولاد مجاناً . ويقوم بعملية الكي.قد تكون في قباعة الرأس . أو يتحسس بمنخاسه اللاهب عرقاً من عروق الظهر . أو قد ينخس موضعاً ضيقاً خطرا في الجسم.
    وعرف عنه أن الفقي رجل يتفنن في صنع الحصر والسمار وتوازير ملونة، من الألياف وخوص النخيل ونبات السمار، يصنع القفف والحصر والعلاقات وغيرها . وراتب الشيخ الفقي ضئيل قليل.قريشات أو دراهم بخسة معدودة . أو كيلات من الطعام يتقاضاها من الموسم إلى الموسم. مقابل دروسه وتربيته للأطفال الأشقياء منهم، وغير الأشقياء ..يأخذ كيلات من القمح والشعير والتمر. ومبلغ زهيد من الأوقاف مقابل الآذان، ولا يسد حوائجه وثغرات المطالب طيلة العام إلا من صنع الحصر والقفف والتوازير، فهو غير ملحاح ولا يتهافت على الزكوات والصدقات . لا يقطع إليها الرحلات إلى القرى الكبيرة الأخرى كما يرحل بعض من الناس في موسم عاشوراء أو غير عاشوراء . فهو من النوع الذين تحسبهم أغنياء من التعفف . ففي كثير من المهام والعمليات لا يتقاضى أجراً. الختان وعقود الزواج أو فسخ العقود والطلاق أو كي المرضى مثلاً .
    وذات يوم هبط القرية أحد كبار الموظفين . وكان سبق أن جاء من المركز ضابط ينبه وهو يلهث، أن المسؤولين سيرسلوا مندوباً للاستطلاع وتكونت لجنة للاحتفال بهذا الضيف الحكومي الكبير. إن القرية لا ترى هذه - الطرابيش - إلا في مثل هذه الزيارات العابرة ... النادرة جداً وإذا جاء موكب الحكومة لا بد من الذبح والوليمة . والظهور بالمظهر اللائق بممثل الحكومة وهيبة الحكومة. ولبس الشيخ الفقي قميصاً جديداً . واستعار فرشاً جديداً من بيت أحد الأعيان للكتاب.
سيزور المندوب الكتاب . ويتفقد حالة الطلاب والمدرس .وسيزور مركز البوليس ومكتب المدير .وكنسوا الشارع، وغسل التلاميذ وجوههم أكثر من مرة .ومرنوا على الوقوف أمام الكتاب وقفة منظمة .وعلقت الأعلام التى أخذوها من المركز. وعلى الحوائط والأسطح تدلت الأردية والحمول وألوان من الأقمشة وصنعوا أقواساً من جريد النخل وجاءت سيارة .. تتبعها سيارة ..
الضيف الحكومي، رجل قد تهندم وتعطر، وسوى خصلات من شعر رأسه العاري. ولبس منظاراً أسوداً.ومد يده يسلم بأطراف أصابعه .وجلس على مقعد أحضروه له. نظر بتأفف .. كان متضايقاً من وعورة الطريق.والتراب الذي أفسد تمشيط شعره ودخل في ثنية بنطلونه. وكان ينفض الغبار ويقول :
- شني هاذا .. كيف عايشين في التراب؟
وأجاب أحد الشيوخ المسنين:
- يابي من التراب للتراب.
وقال سيادة الموظف الزائر :
- علاش ما ترشوش الأرض بالماء.
وبادر شاب مزارع وقال :
- الناس موش لاقية تشرب والحيوانات موش لاقية ماء.. كيف ترش الأرض بالماء !
وقال المندوب ـ الذكي ـ وهو يمسح الغبار عن ربطة عنقه التي جلبت من روما والتي شبك فيها دبوس ذهبي من باريس قال :
- ما فيش حنفيات .. شيشمات ماء . .؟
وسرت همهمة في صفوف الواقفين، ونظرات تحمل أكثر من كلمة وأجاب أحدهم :
- يا سيدي هنا قرية .. تشرب من الماجن إذا جاء الغيث وجادت السماء بالمطر الماء في مواجن وصهاريج. وهز رأسه وقال :
- أنا جيت هنا لمشاريع الإصلاح.. هل عندكم مطالب ؟..أنا عضو لجنة مشاريع الإصلاح .. ما هي المطالب. هل ينقصكم شيء؟
وبادرت العيون تنظر لبعضها بعضاً .. وما أفصح عيون أهل القرى.
وتقدم الشيخ الفقي وقال :
- الماء والبذور وإصلاح الكتاب والمستوصف.
    واستل الزائر الحكومي قلمه ذي الريشة الذهبية . وأخذ ورقة وانهمك يخربش، وقام للغداء، ومد أصابعه للغداء بتأفف .. فإن الفلفل حار والدهان كثير .. وأوصاه الطبيب بأن يأكل كذا وكذا . وسرت موجة من الإحراج على وجوه أهل القرية فما كان في ظنهم أن يكون وقحاً يمتعض من طعامهم الجيد .
ولكن بعد هذا الأكل أمامهم برؤوس أصابعه أخذ يتمتم وهو يقول: - عندكم خرفان طيبة وبلادكم مشهورة بصنع العبايات والأبسطة والكليم وفهم المدير ما يرمز إليه السيد الضيف الكبير . وبعد لحظات كان في سيارة الجيب.. وسيارة اللاندروفر الصحراوية خروفان يلعلعان.. وكأنهما يودعان القرية التي ولدا بها أو علما مصيرهما .. وهناك أيضاً عباءتان وحولي وكليم كبير .. هدية القرية للضيف. وقام بزيارة الكتاب . وقال هو يلصلص بعينيه في الحوائط :
-وين اللوحة . . والطباشير .. والدفاتر .. والمقاعد؟
وأجاب الفقي وهو يكظم غيظه :
-تعلمنا نجلس على الحصير وندرس
وهز رأسه مثل كيلة فارغة وقال :
هادا غلط .. الدنيا تغيرت .. تطورت .. أنتم متأخرين ..
عايشين عيشة أهل زمان لازم من طاولات سوبورات .. وأقلام حبر.
.. .. وسأل وهو يشير بأصابعه ذات الخواتم والفصوص الياقوتية والزمردية .
الصف الأول .. والصف الثاني . . والثالث؟
-وین
وأجاب الشيخ الفقي :
- كل الصفوف عندنا في مكان واحد . . هنا.
- لا .. لا .. هادا غلط . . فوضى .
الكتاب سنصلحه .. لازم من مقاعد . . ودفاتر .
كم عندك مدرس؟
وهز الفقي رأسه :
أنا وحدي . . أنا بروحي .
- لا .. لا .. لازم من إصلاح.
وأخرج ورقة . . وخربشها وهو يقول:
- هذه وساخة لازم الألواح تعدم .. والحصير هذا غير لائق.
وسكت الجميع .. ولم تنطق إلا عيون أهل القرية بهمهمات .
وأخرج ورقة وأخذ يسأل ويسطر.
- اسمك ؟
- عمرك؟
- الحاج بوشوفه. مولود عام الهاني.


وقال المسؤول الزائر ..
-«هاني» أي سنة؟
بوي من الضباط اللي استشهدوا في معركة الجهاد والاستعمار لك ما تعرفش يا أستاذ عام الهاني» عام هجم الطليان على بلاما كان
- حصد أهل بيتنا .
-أهو الخلاصة كم عمرك؟
- حوالي خمسين .
- أهو أنت كبير كيف تقدر تدرس
-آهو ربنا ساتر .. والصحة باهية .
- عملت كشف طبي على عيونك؟
- الحمد الله عيوني صحاح نقرأ على فتيلة زيت.
- اسمع يا فقي محمد، عندنا نظام جديد للإصلاح والعناية بشارة الثقافة .. وفي النظام الجديد لازم من أوراق رسمية .
وسأل الشيخ محمد قائلاً:
- ما هي الأوراق الرسمية سيدي؟
وأجاب الزائر قائلاً:
- شهادة ميلاد شهادة حسن سيرة وسلوك، شهادة تطعيم ضد الجدري شهادة تطعيم ضد شلل الأطفال شهادة من طبيب العيون، شهادة التخرج والمعاهد التي أحرزت أوراقها الرسمية وشهادة حسن سير وسلوك وخلو من السوابق .
    وسكت الجميع هنيهة، وأطرق الشيخ محمد قليلاً، وانطلق الموظف الزائر يسأل :
- كم نظرك؟
ولم يفهم الشيخ الفقي ولا من حوله هذا السؤال الغريب. ولكنه أجاب :
- نظري باهي نصيد الأرانب والحجل وهي تجري
وعدل الموظف نظارته التي على عينيه وقال ...
69 على 18 مثلا وضحك أحد الشبان وقال:
- لا .. لا .. أنت متأخر خالص .. شهادة نظر يعني 6 على 66 على
- باهي خلي نظرنا على ستاش
ونهره المدير بكوعه وعض على شفتيه وهو يقول:
- اسکت لا يليق المزاح في حضور مندوب الحكومة الرسمي.
وانتهت هذه المحاورات والأسئلة بأن قال الزائر المندوب : ياسي الفقي إحنا نريدك تجي عندنا في المدينة لإتمام الإجراءات.
وأعد الشيخ العدة للتوجه إلى العاصمة . وسرح الأطفال أسبوعاً حتى يقدم من سفرته.
وجهز خرجه ووضع فيه ملابسه وشيئاً من الطعام لهذه الرحلة، وقطع مشياً مع زملائه المودعين خمسة كيلو مترات، حتى وصل إلى الطريق العام، حيث تمر سيارة الأوتوبوس المزدحمة، واتخذ مقعده بعد جهد جهيد في هذا الزحام .
- العربة قديمة تتأرجح كأنها قفة مصارين.
- ربع قرن من الزمان لم يزر المدينة. لقد تغير كل شيء فيها. الشوارع والعمارات،والأزياء والملابس.وحتى الوجوه والملامح غدت مختلطة. ألوان وأشكال من الناس. أكثر الناس رؤوسهم عارية ويسيرون بسرعة . ويأكلون في الطريق.
والسيارات المزدحمة المنطلقة في جنون . كأنه غريب قادم من أطراف الدنيا . وشعر بدواخ كان له أقارب يسكنون في أحد الأحياء القديمة. كيف يصل إلى هذا الحي، وكيف يتعرف على ذلك الشارع؟ لقد كان البيت معروفاً يسهل الوصول إليه، واختلطت الشوارع .
تزاحم الناس . ومن يعرفه . . من يدله؟ ابن عمه العجوز انتقل إلى رحمة الله . وولد هذا القريب تزوج وتناسل هنا وأولاده يشتغلون .ولا مراسلة . ولا زيارات. قطعت الصلة .. وتزاحمت المدينة، وشغل الناس . من يعرفه؟
أيدق الباب عليهم ويقدم نفسه في هذا الليل. ويسأل عن ولد الوطواط . قد ينكرونه . . وقد يكون ثقيلاً عليهم . ووقف هنيهة يفكر .. ويحملق . أين شارع ميزران . . أين المدينة القديمة .
وهتف لنفسه ..
- إيه وين يا ولد!!؟
زنقة المجروح . . زنقة شلاكة . . قهوة دحمان . . زنقة حوا علجية . السيارات تمر . والأضواء تبهر. والناس كل في حال سبيله .
وقال لنفسه متذكراً المثل الشعبي - يا تاجورا ما ريتيش عمر .. وهمهم ثم
تذكر مثلاً آخر .. يا مدور الإبرة في طريق النواجع . .
أروام ،وعرب وبراطيل ورؤوس حاسرة .
كل شيء تغير يا سي الفقي.
وسأل عن أحد الفنادق الرخيصة اللي ما فيهاش خمر .
- يقال أن الفنادق بها خمر يباع .
وضحك الذي سأله .
- ثم أرشده إلى فندق «السلسبيل».
ونزل ليلته، وتعشى، وصلى صلاته . ونام .. وفي الصباح كان يسأل عن مكتب التنسيق . دلوه على المكتب . زحام وطوابير من الفراشين والموظفين وأصحاب الترجيات. وفي المكتب قدم له الموظف استمارة عديدة الخانات وملاها . اسم الأب والأم .. اللقب.. تاريخ الميلاد، طول القلادة الاسم، شكل العينين، الدراسة، الحالة المالية. وأشياء أخرى ما أنزل الله بها من سلطان ، ثم قال له الموظف .
- هذه سنضعها في الملف، ولا بد أن تنتظر الكشف الطبي، وتحليل البول.
وانتظر أسبوعاً في الفندق. ويسأل هل تمت الإجراءات. وقالوا له بعد أيام ستصلك ورقة التنسيق وقدم صورتين شمسيتين، صورها عند مصور العائلات والأفراح الرومي تيللو مصور متخرج من تحت براقوني .
وعاد إلى القرية .، بعد أن كادت قرشياته تنفذ لولا أنه وفر بعض الوجبات. إذا تغدى لا يتعشى، وإذا تعشى لا يتغدى .
عاد إلى الكتاب، وقد فرح الأطفال بهذه التسريحة الطويلة . وأخذ الشيخ الفقي ينتظر مسألة التنسيق . . انتظار هلال العيد. سينصف و سيزداد دخله وسيغدو موظفاً مصنفاً. و انتظر الجواب الرسمي، و جاءه بعد شهرين جواب عليه طابع رسمي وقضه بلهفة وفرح وهزة انتظار.
" حضرة السيد الفقي محمد بوشوفه . بعد التحية ..
نظراً إلى أن القانون يحتم عدم الجمع بين وظيفتين، فتتفركم من الآن وعليه يجب أن تكتفي بالتدريس. ا بعدم الجمع بين صفة المؤذن في المسجد والتدريس في الكتاب... كما نلفت نظركم إلى أن القانون يحتم عدم الإتجار والاشتغال بالصناعة وقد بلغنا أنك تصنع الحصر والقفف، وتقوم أيضا بعمل شيخ القبيلة بفض النزاعات وعقد العقودات وهذا مخالف للوائح الداخلية .فتنذركم بهذا ويجب عليكم الرضوخ
الإمضاء
مدير التنسيق الفني للجهاز الإصلاحي
رابح أبو الدرجات

وطوى الشيخ الفقي الورقة تحت الحصير وأخذ يتمتم والأطفال ترتفع أصواتهم ناظرين إلى الشيخ في رهبة وإكبار.



تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -