قصة قصيرة " أصبع سبابة لحياة مخترعة " لجمال الزائدي

في رحلة تأملية عميقة، يأخذنا الكاتب الليبي جمال الزائدي في تيار من الذكريات التي تجتاح بطل قصة أصبع سبابة لحياة مخترعة، وهو على عتبة خريف العمر. فيسترجع بطلنا طفولته المليئة بالخيال الجامح والأحلام الجريئة، حيث كان قادراً على خلق عوالم وبطولات بلمح البصر. يقارن تلك القوة المطلقة مع واقعه الحالي كرجل متقاعد، يشعر بالعجز والشفافية في عالم لم يعد يعترف بوجوده. هذه القصة هي مرثية مؤثرة للزمن الذي يمضي، وللأحلام التي تبهت، ومحاولة يائسة لاستعادة شرارة الحياة المفقودة. قصة تستحق المتابعة فتابع القراءة من هنا👇👇
قصة قصيرة " أصبع سبابة لحياة مخترعة " لجمال الزائدي
الكاتب الليبي جمال الزائدي
🗞️ صحيفة المنظار الليبية: صفحة الكاتب الرسمية بالفيسبوك
✍️ جمال الزائدي
📅 الاثنين 26 يناير 2025م

أصبع سبابة لحياة مخترعة 

    لم أكن اتصور ان الرحلة ستمتد بي إلى هذه النقطة القصية من الزمن.. أرى إلى انعكاس الوديان والأخاديد العميقة المحفورة علي صفحة وجهي في ذهول وأفكر أنني فيما يشبه الحلم قد أحرقت كل المراحل من المفتتح الى الختام في ومضة عين أو أقل.. 

اتساءل الآن: -

    كيف تخليت عن قمصاني الملونة والشورت القصير وصرت استسيغ ربطات العنق والبدل الرسمية بالألوان الكلاسيكية الرصينة؟ هكذا بلا تدرج ولا مقدمات.. كنت أشهر إصبعي السبابة عندما ازعل من الكبار وأحتاج إلى تخدير خوفي ووحدتي ثم ارسم مستطيلا في الفراغ أخترع حياة جديدة أعيشها وأشاهد أفلام ومسلسلات كرتونية من تأليفي بطلها دائما طفل جريء وسيم يشبهني أو أقتعد المرحاض البلاستيكي المتنقل وأشن حربا مقدسة ضد قبائل الجن التي تأخذ شكل الذباب المزعج.. ذات مرة تقاتلت مع ذبابة محاربة بسيفين مرهفين في حجم إبرة الخياطة اليدوية وانتهت المبارزة بالتعادل بيننا.. 

    كنت دمويا وشرسا في تلك الآونة قادر على افناء آلاف البشر وتدمير مئات البيوت والمزارع بتصويب مدفع أسطوري لايراه أحد سواي ثم إطلاق صوت مفخم من شفتي المزمومتين "بوووم" فينتهي كل شيء وتتحول الموجودات إلى غبار كثيف ناعم.. أكثر نعومة من مسحوق "بيبي جونسون" ذي الرائحة الزكية التي أحبها.. لكن ها أنا اليوم أجلس على كرسي متهالك تحت شجرة أمام باب بيتنا عاجز عن الحركة تقريبا كليل النظر والخيال والآمال.. ما كاد يمضي سوى عام واحد على الحفل الوداعي المشؤوم الذي أقامه الزملاء في الوزارة حتى أصبت بمرض غامض أفقدني فاعلية الحياة و ألزمني الفراش كما لو كنت مجرد جذع شجرة نخرها السوس.. كان الجميع في العمل يكن لي احتراما مع أني لم أكن محبوبا فالمحبة تحتاج إلى تنازلات كثيرة ماكان لي ان أقدمها.. و كنت بطيئا في ارتقائي السلم الوظيفي إلا أن القليل الذي حققته كان عن جدارة واستحقاق.

    لم يخطر ببالي أن التقاعد من العمل يساوي التقاعد من الحياة نفسها حتى اكتشفت فجأة كيف تحولت إلى كيان شفاف لا يملك كثافة ولا كتلة تعكس الضوء، فتخترقه العيون وتتجاوزه إلى ما بعده.. كان البيت يعج بالحركة والأصوات.. خصومات وتوافقات ومفاوضات ومناسبات وأحاديث كثيرة لا أدرك شيئا منها.. بناتي اللائي تزوجن واولادي الذين يستعدون للزواج جميعهم يبتسمون لي ويغيبون مع والدتهم وراء أحد الأبواب ويخرجون بنفس الابتسامة.. 

    في يوم ضجرت وأردت أن أعرف مايجري.. قالت لي رفيقة العمر: 

- بالله عليك يا عجوز كيف تريد أن تستوعب في هذه السانحة ماجهلته العمر كله..؟ 

بعدها أشعلت سيجارة ملغومة وأرسلت سحب الدخان على رؤوس اولادي وبناتي كي يعودوا أطفالا ويسهل فهمهم وفشل الأمر.. كأن مواهبي الخارقة من قدم العهد فقدت فاعليتها.. جاهدت أن أستعيد تواصلي بعالم تجاهلته وتجاهلني طوال سنوات انشغالي.. أقصد عالم الأقارب والجيران والمقاهي لكن كان الوقت قد تأخر.. احتار الأطباء في تشخيص حالتي وأعلنوا انني احتاج إلى معجزة كي أنجو..

     يا للمفارقة لقد نجوت من الحياة بمعجزة وتلزمني معجزة أخرى لانجو من الموت المتربص..؟ 

    لو استطيع فقط تحريك اصبعي السبابة لأرسم مستطيلا في الفراغ وأخترع حياة جديدة أعيشها..!!!

صحيفة المنظار الليبية
صحيفة المنظار الليبية
تعليقات