قصيدة «إنهم ينتظرون قصيدة» للشاعرة الليبية حواء القمودي نص شعري صادق يلامس الوجع، ويرسم رغم كل شيء ملامح غدًا مشرقًا مفعماً بالأمل .هنا قراءة نقدية متواضعة لهذه القصيدة ، وتعريف موجز بمسيرة شاعرة لها بصمتها وحضورها في الأدب الليبي المعاصر
 |
| الشاعرة الليبية حواء القمودي |
📚 صحيفة المنظار الليبية : من كتاب “
قراءات في نصوص ليبية”
📅 تاريخ النشر: 22 فبراير 2026م
✍️ سالم أبوظهير
تنسيق الصفحة باستخذام الذكاء الاصطناعي
التعريف بالشاعرة
حواء القمودي شاعرة ليبية متميزة، كانت تنشر نصوصها الشعرية باسم مستعار، مما يعكس طبيعة الكتابة الأدبية الحساسة والشخصية في تلك الفترة. إلى جانب موهبتها الشعرية، كانت حواء تمارس النقد الأدبي والكتابة الصحفية بمهنية واقتدار.
حصلت على درجة الليسانس في اللغة العربية، وواصلت دراستها العليا بتركيز خاص على دور المرأة في الشعر الليبي، مما يشير إلى وعيها العميق بالقضايا الثقافية والاجتماعية. مهنياً، عملت معلمة بمدارس طرابلس، حيث أثرت في أجيال من الطلاب بحبها للغة والأدب.
كانت حواء أيضاً محررة ثقافية نشطة، حيث أشرفت على الملف الاجتماعي في "مجلة البيت"، وكانت عضواً فاعلاً في الملف الثقافي بمجلة المؤتمر الليبية، وترأست تحرير مجلة "الأمل"، مما يؤكد دورها المحوري في الحياة الثقافية الليبية.
القصيدة
إنهم في انتظارك
يسمونك قصيدة جديدة
يترقبون هطولك في روحي
تشكل قسماتك بين يدي
وأنا فارغة القلب
أرقب هذا العالم الخرب ينهار
الدم يغطي البياض..
والصلوات لم تعد تعرف..
أين تذهب
وأنا أنتظرك
وأتسمع وقع خطواتك الواجفة
نعم..
هذا العالم صار مقبرة
لكن الشمس تشرق والنسائم تداعب خدود الصبايا
والبحر لا يغادر زرقته
والخطيفات تخبرني أن طفولتي مخبوءة تحت جناحها
وثمة ولد يترقب قبلة من فم حبيبته الشهي
هناك الكثير من الحب
والجمال
والضوء
لذا يمكنك الهطول
والطيران
والمشي حافية
فأنا أكتبك
أقاوم بك الخراب
وأرسم عالماً بهياً تضيئه قصيدة
قصيدة ينتظرونها
القراءة والتحليل
ذكرتني قصيدة حواء القمودي "إنهم ينتظرون قصيدة" بما قاله الشاعر والمسرحي الأمريكي توماس إليوت: "إن للشعر ثلاثة أصوات: صوت الشاعر الذي ينقل تجربته الشخصية للمتلقي وكأنه يكلمه، وصوت الشخصيات التي تدخل التركيب البنائي للقصيدة، وصوت الجماعة التي تخاطب الشاعر، ولا بد من هذه الأصوات الثلاثة لتتحقق الغاية النهائية من العمل الشعري". وأحسب أن الشاعرة قد مثلت دعوة إليوت هذه خير تمثيل، وسعت لتحقيقها ونجحت في ذلك بشكل متفاوت. فتجربة الشاعرة حواء القمودي في هذه القصيدة تجربة شعرية صادقة وبالغة العمق، تحمل في مجملها رسالة هامة وهي تصور معاناة الإنسان، وحالته النفسية المتردية وما يشعر به من غبن وظلم واستبداد وضيق شديد، وخوف من المجهول وما يقابله من تصوير لمستقبل مشرق، وغد أفضل، وثقة مؤكدة في الانتقال إلى الأفضل.
بدأت الشاعرة قصيدتها باستهلال موفق لتشويق القارئ، حيث استخدمت تقنية الحذف والإضمار بذكاء ليتحول العنوان وحده إلى حكاية من ثلاث كلمات "إنهم ينتظرون قصيدة"، تجعل القارئ يسأل: من هؤلاء؟. وبالتالي تضمن حواء أن يشد العنوان دخول المتلقي لعالم القصيدة ويمكنه من قراءتها بشغف.
وفي أول سطر في قصيدتها تكتب "إنهم في انتظارك" لتحقيق نوع من "الإدهاش" الذي يوقف المتلقي ويثير فيه رغبة التبيان والاستيضاح، ومن ثم تتحقق المشاركة منه في عملية الإنتاج، وهي مشاركة تعتمد عليها القصيدة حتى نهايتها.
بعدها تنطلق الشاعرة الليبية حواء القمودي لتلخص ربما بشكل كافٍ في قصيدتها آلام ومعاناة الليبي الذي يعيشها بشكل يومي، كما نقلت آماله وثقته اللامتناهية في غد ينتظره، وحلم لا يتوقف بتغير الحال وحياة أفضل سيعيشها قريباً جداً. ونجحت الشاعرة في نقل كل ذلك وتعبر عنه في سطور قليلة بديعة، ونص لغوي متين. وقد قسمت الشاعرة القصيدة بقصد أو بدون قصد إلى نصفين متساويين تقريباً، تفصل بينهما كلمة "لكن". فجعلت ما يسبق "لكن" واقعاً مؤلماً تبوح فيه الشاعرة بشكل مؤثر وتعكس معاناتها من الواقع المرير الذي تعيشه، فتنقل لنا بحزن كيف أن "العالم الخرب ينهار" وكيف "صار العالم مقبرة" وكيف "الدم يغطي البياض
وما بعد "لكن" في القصيدة حلم بمستقبل مشرق، وبجملة جميلة بدأتها حواء: "لكن الشمس تشرق والنسائم تداعب خدود الصبايا". وتستمر الشاعرة بعدها في منح المتلقي بشكل محبب وبمفردات معبرة عن الآمال والثقة، ولا تنسى أن تمنحه الثقة بأن الحب "الكثير من الحب"، والجمال، والضوء، وكل الأشياء الجميلة ستأتيه وتدعمه في زرقة البحر الدائمة "البحر لا يغادر زرقته" وفي شروق الشمس اليومي "تشرق الشمس". وتعبر الشاعرة عن كل ذلك، وربما تنقل تجربتها مختفية وراء الآخر (هم)، وتتفرغ هي لنصها الجميل وتهمس للقصيدة وتخاطبها بدوب وحنان تناديها "إنهم في انتظارك" دون أن تفصح عنهم من هم؟ واختارت الشاعرة أن تدرس فكرتها بشكل ذاتي:
فأنا أكتبك
وأرسم عالماً بهياً
أقاوم بك الخراب
وأنا فارغة القلب
نجحت الشاعرة وبشكل كبير في أن تجعل المتلقي أكثر تأثراً وتواصلاً، خاصة وأنها جعلت الفعل المضارع سمة رئيسة تحتضن أكثر من سطر شعري في القصيدة كلها، حيث تكرر أكثر من تسع مرات، ويمثل كثافة تراكمية واعية للأحداث التي تعيشها الشاعرة. هذا التكرار يعكس الحاضر المستمر والمعاناة المستمرة، مما يضفي على النص حيوية وفورية.
أخيراً، قصيدة حواء "إنهم ينتظرون قصيدة" متميزة ومفردة، تجمع بين الصدق الشعري والعمق الإنساني، وتقدم رؤية متوازنة بين الألم والأمل، بين الواقع المؤلم والمستقبل المشرق. إنها قصيدة تستحق القراءة المتأنية والتأمل العميق.
نرحب بتعليقاتكم