جودة حقيقية، أم اعتمادٍ شكلي؟

 قبل أن نسأل عن عدد المؤسسات التي حصلت على الاعتماد، يجب أن نسأل: كم مؤسسة تطبق الجودة فعلًا؟ وكم مؤسسة جعلت الجودة جزءًا من ثقافتها التنظيمية؟ وكم مؤسسة ما زالت تنظر إلى الجودة على أنها ملفات، ونماذج، ومستندات، وزيارات تقييم تنتهي بانتهاء فريق المراجعة؟ تابع القراءة من هنا👇👇

المقال منسق بأدوات الذكاء الاصطناعي 

د. بشير شليبك 

📰 صحيفة المنظار الليبية 
📅الجمعة24 يوليو 2026م
✍️:د. بشير شليبك 

إلى متى نظل نتعامل مع الجودة كـ "موسم للاستعداد" لا كمنهج حياة؟

بقلم: د. بشير شليبك

قبل أن نسأل عن عدد المؤسسات التي حصلت على الاعتماد، يجب أن نسأل: كم مؤسسة تطبق الجودة فعلًا؟ وكم مؤسسة جعلت الجودة جزءًا من ثقافتها التنظيمية؟ وكم مؤسسة ما زالت تنظر إلى الجودة على أنها ملفات، ونماذج، ومستندات، وزيارات تقييم تنتهي بانتهاء فريق المراجعة؟

إن الجودة، يا سادة، ليست أوراقًا تُجمع، ولا أدلةً تُرتب، ولا ملفاتٍ تُجهز قبل موعد الزيارة؛ الجودة ثقافة، وقناعة، وسلوك، وانضباط، والتزام، وتحسين مستمر، يبدأ من الإدارة العليا، ويصل إلى كل موظف، وكل عضو هيئة تدريس، وكل طالب.

لقد أخطأنا عندما جعلنا المعايير هي البداية، بينما كان ينبغي أن تكون هي النهاية؛ فالمنظمات الناجحة لا تبدأ بالمعايير، وإنما تبدأ ببناء ثقافة تنظيمية تحترم اللوائح، وتلتزم بالقوانين، وتطبق الإجراءات، وتؤمن بأن الإنجاز قيمة، وليس مجرد وسيلة للحصول على الاعتماد.

كم من مؤسسة أعدت آلاف الصفحات، وجهزت عشرات الملفات، واستنفرت جميع إمكاناتها قبل زيارة فريق التقييم، ثم عادت بعد انتهاء الزيارة إلى ممارساتها السابقة، وكأن الجودة كانت مشروعًا مؤقتًا، لا منهجًا دائمًا! وكم من إجراء كُتب على الورق، ولم يجد طريقه إلى التطبيق، وكم من دليل حُفظ في الأدراج، ولم يتحول إلى ممارسة حقيقية داخل المؤسسة!

إن المشكلة ليست في المعايير، فالمعايير وُضعت لتقيس واقعًا قائمًا، وليست لتصنع واقعًا مؤقتًا، والمشكلة ليست في النماذج، وإنما في غياب ثقافة الالتزام بها، فالجودة لا تُبنى بالمستندات، وإنما تُبنى بالسلوك الإداري، والانضباط المؤسسي، والالتزام اليومي.

إننا بحاجة إلى أن يوجه مركز ضمان الجودة جهوده أولًا نحو نشر ثقافة الجودة، قبل التركيز على منح الاعتماد، وأن يجعل هدفه الأول ترسيخ اللوائح، والقوانين، والآليات، والإجراءات، حتى تصبح جزءًا من الثقافة التنظيمية لكل مؤسسة تعليمية، وأن يكون التدقيق قائمًا على قياس مدى الالتزام الفعلي بتطبيقها، لا على عدد الملفات، ولا على حجم الأدلة الورقية.

كما أننا بحاجة إلى الانتقال من ثقافة القوة إلى ثقافة الإنجاز، ومن ثقافة الاستجابة المؤقتة إلى ثقافة التحسين المستمر، ومن ثقافة المظاهر إلى ثقافة النتائج؛ فالمؤسسة التي تطبق إجراءاتها طوال العام، لا تحتاج إلى الاستعداد قبل زيارة المراجعين، لأنها تعيش الجودة كل يوم، وليس في موسم الاعتماد فقط.

وعندما تصبح اللوائح والإجراءات ممارسة يومية، وعندما يعرف كل موظف واجباته، وحقوقه، ومسؤولياته، وآليات عمله، وعندما تتحول الجودة إلى أسلوب حياة داخل المؤسسة، عندها فقط يصبح الحديث عن المعايير، والمؤشرات، والاعتماد، حديثًا عن واقعٍ حقيقي، لا عن صورةٍ مؤقتة.

الخلاصة: إن ضمان الجودة ليس مشروعًا لإعداد الملفات، بل مشروعٌ لبناء الإنسان، وبناء المؤسسة، وبناء ثقافة تنظيمية تؤمن بأن الجودة تبدأ من الالتزام، وتستمر بالتحسين، وتنتهي بالتميز، أما الاعتماد، فهو نتيجة طبيعية لهذه الثقافة، وليس الهدف الذي تُسخَّر له كل الجهود.

صحيفة المنظار الليبية
صحيفة المنظار الليبية
تعليقات