✅صحيفة المنظار الليبية: صحيفة فسانيا 📅الأثنين 28 سبتمبر2026م ✍️ : سالم أبوظهير
اختيار مدينة كسبها لإحتضان مؤتمر دولي حول الجريمة المنظمة العابرة للحدود ليس مجرد اختيارلمكان عادي ينعقد فيه حدث أكاديمي عادي؛ لا.. فحين تتصدى مدينة بحجم سبها من قلب الجنوب الليبي لقضية حساسة بالغة الخطورة تشغل بال العالم كله ، فإن الجغرافيا نفسها تصبح جزءًا من الموضوع برمته ، لإن فضاءها الجغرافي شديد الصلة بالتحديات العابرة للحدود. وتتحول جامعة هذه المدينة إلى مساحة فاعلة يمكن أن يلتقي فيها البحث العلمي مع قضايا المجتمع وتحديات الواقع.
في العشرين من ديسمبرالمقبل، تستعد جامعة سبها لاحتضان المؤتمر العلمي الدولي الأول للأبحاث والدراسات القانونية حول «الجريمة المنظمة العابرة للحدود في دول الساحل والصحراء: الواقع والحلول»، تحت شعار «رؤية مشتركة لأمن إقليمي مستدام».
وتكمن أهمية انعقاد هذا المؤتمرونجاحه في أنه يقترب من قضية لا تقف آثارها عند حدود دولة واحدة. فالجريمة المنظمة ترتبط اليوم بشبكات ومسارات متشابكة، تبدأ من الاتجار بالبشر وتهريب المخدرات والأسلحة، وتمتد إلى غسيل الأموال والجرائم السيبرانية والجرائم البيئية، وفي منطقة تعاني في الأساس وتواجه تحديات أمنية وتنموية واتساعًا كبيرًا في حدودها.
ومن هنا يصبح السؤال الأهم: ماذا يمكن أن تقدم الجامعة في مواجهة ظاهرة بهذا التعقيد؟
بالتأكيد، لن تحل المؤتمرات العلمية وحدها مشكلة الجريمة المنظمة، لكنها يفترض انها تستطيع أن تفعل شيئًا بالغ الأهمية: تتمثل في قدرتها على دراسة الظاهرة بعيدًا عن المعالجات الآنية التقليدية ، خاصة وان الجامعة قررت أن تجمع القانونيين والباحثين والقضاة والخبراء حول طاولة واحدة، وطلبت منهم عبر هذا الاجتماع الاكاديمي الموسع الهام أن يضعوا أمام الجهات المختصة وصناع القرار معرفة علمية مثمرة وتوصيات هامة يمكن البناء عليها اللبنة المهمة في مكافحة الجريمة المنظمة عبر الحدود.
المؤتمر أيضا يأتي في وقت تمثل فيه الجريمة المنظمة العابرة للحدود تحديًا متزايدًا أمام دول المنطقة كلها ، مع اتساع الحدود وتشابك مسارات الهجرة غير النظامية والتهريب والاتجار بالبشر والمخدرات والأسلحة، فضلًا عن ظهور أنماط حديثة من الجرائم تتجاوز الحدود التقليدية للدول. وهذا تحديدًا ما يمنح مؤتمر جامعة سبها أهمية إضافية أخرى .
كلية القانون التي تتبنى تنظيم الحدث، تعمدت ان تضم لجانه خبرات أكاديمية وقانونية من داخل الجامعة وخارجها، إلى جانب ممثلين عن مؤسسات قضائية. وان يتجاوز الحضور العلمي الحدود الليبية، بدعوة أكاديميين للمشاركة من تونس والمغرب وموريتانيا، الأمر الذي ينسجم مع طبيعة الجريمة المنظمة نفسها باعتبارها ظاهرة عابرة للحدود لا يمكن لدولة واحدة مواجهتها بمعزل عن محيطها.
تصفحت الموقع الالكتروني المخصص للمؤتمر وفيه أن أعمال المؤتمر على تنتدرج تحت أربعة محاور كبرى، تبدأ بتحديد مفهوم الجريمة المنظمة العابرة للحدود، مرورًا بالإطار القانوني والتشريعات الإفريقية وحماية الضحايا والدور القضائي والمؤسساتي، ثم الأنماط التقليدية والحديثة للجريمة، وصولًا إلى التجارب الليبية والإقليمية والدولية وفرص التعاون مع دول الجوار.
وأحسب أن القيمة الحقيقية للمؤتمر لن تتوقف عند الأوراق التي ستقدم أو الجلسات التي ستعقد؛ بل فيما سيبقى بعد انتهاء المؤتمر. فإذا استطاعت توصياته أن تنتقل من مدرجات الجامعة وقاعاتها الدراسية إلى المؤسسات الأمنية والعسكرية المعنية بهذا الهم ، وأن تصبح مادة المؤتمر في مجملها مرجع يستفيد منها الباحث والطالب ورجل القانون وصانع القراروالمواطن الجنوبي {إن صحت التسمية} والليبي بشكل عام ، فإن جامعة سبها تكون قد قدمت نموذجًا مهمًا لدور الجامعة في المجتمع: ألا تكتفي بتدريس المشكلات، بل تفتح أبوابها لمناقشتها والبحث عن حلول لها.
صحيفة فسانيا {حسب ماورد الي } ستخصص ملفًا خاصًا لمتابعة هذا المؤتمرالقيم ، وأتمنى ان يتجاوز هذا الملف مهمة تغطية جلساته المهمة فحسب، وإنما ان يقترب من أوراقه ونقاشاته، وينقل مايقوله الباحثين والخبراء المشاركين فيه، ثم متابعة توصياته وما يمكن أن يتحقق منها.
وبالتأكيد أن السؤال بعد العشرين من ديسمبرالقادم لن يكون فقط: ماذا قال المؤتمر؟ بل: ماذا يمكن أن يتغير بعده؟

نرحب بتعليقاتكم