📁 آخر الأخبار

عمي الفرجاني : حكاية استثنائية من الزمن الجميل

هنا حكاية عمي الفرجاني المكي رحمة الله عليه ، الرجل الذي جمع خفة الظل والهيبة والوفاء، وترك في قلوب أسرته وأهل قريته ذكرى لا تُنسى.تابع الحكاية الكاملة من هنا 👇👇 
هذا المحتوى منسق بتقنيات الذكاء الاصطناعي
عمي الفرجاني  قصة قصيرة


🗞️ صحيفة المنظار الليبية
✍️ سالم أبوظهير
📅 التحديث: الجمعة 02 أكتوبر 2026م

عمي الفرجاني لم يكن مجرد قريب أو زوج خالة يمر مرور الكرام في الحياة اليومية لذلك الزمان؛ بل كان يشبه ظاهرةً شعبيةً ممتدة بدأت بشكل شخصي عندي من منتصف التمانينات ،لكن ربما قبل هذا العقد عند من هم كان اكبر مني سنا، الوقت هنا قد لاتفيد اشارته في شي ، لكن الأهم ان شخصيته المميزة كانت تطوف بصيتها الطيب من قريتنا الصغيرة لتصل كل القرى المجاورة والبعيدة. الفرجاني المكي، ذلك الاسم الذي كان كفيلاً وحده بانتزاع الابتسامة من أشد القلوب عبوساً. رجلٌ كان حضوره يزرع الابتسامة، وهيبته تفرض الاحترام، ووفاؤه يترك أثرًا لا يغيب.

كان صاحب نكتة بلا منازع، يملك قدرة عجيبة على جعلك تبتسم رغماً عنك بمجرد أن يوجه لك نظرة حادة واحدة.. نظرة معبرة وثاقبة، تحتاج إلى أكبر أخصائيي علم النفس ولغة الجسد لفك طلاسمها وسبر أغوارها، لكنها في النهاية لا تلبث أن تنفجر عن ضحكةٍ ساحرة.

وفي ذلك الزمن زمن الثمانينات والتسعينات، حيث كان «الطريحة» للآباء لغة التربية الأولى، و«الطريحة» على أصولها واجباً من واجبات الأبوة الأسبوعية (التي كنت أحصد نصيباً وافراً منها وعن جدارة)، كان هناك عالم موازٍ يعيشه ولدا خالتي: نوري وعلي.

    لقد كان والدهما وصديقهما الأبدي «عمي الفرجاني» كائناً خارج الزمن؛ فرجلٌ يصادق أبناءه بصدق في ذلك العصر كان أشبه بالمستحيل، لكن الفرجاني صنع القاعدة بمفرده.

    ولو صادف وجمعك الطريق بـ«عمي الفرجاني» ومعه نوري أو علي، فاستعد نفسياً لأن تتحول فوراً إلى «مادة إعلامية» ومصدر للتندر الساخر! لغة إشارة خفية لم تخترعها مخابرات العالم، ونظرات خاطفة تجعلك تشعر أنك مراقب من فريق أمني محترف.

    أما إذا حضر نوري، فهنا تتوقف القوانين البشرية؛ يسكت الفرجاني تماماً، يطبق شفتيه، ويترك له الكلمة الأولى والأخيرة. وحين ينتهي نوري من كلامه، يرميه الفرجاني بتلك النظرة الأسطورية.. نظرة ثاقبة ومرعبة وعميقة، نظرة لم أرَ مثيلها طوال حياتي وأنا على مشارف الستين، لا في الواقع ولا حتى في أكثر أفلام هوليوود درامية؛ نظرة تقول بوضوح تام:«أغلقوا باب الكلام، فقد وُلد القول عند نوري وعنده انتهى».

 وحين يغيب نوري وعلي؟ ينقلب الحال؛ فلا صوت يعلو في مجالس الفرجاني فوق الافتخار بهما، يروي نجاحهما وتفوقهما في كل شاردة وواردة بعينين تلمعان فخراً وعشقاً.

 ولم يكن الفرجاني مجرد شخصية استثنائية في مجلس القرية فحسب، بل كان سابقة عصره في كل تفاصيل حياته. أتذكره جيداً في أزهى مراحل عمره، وواحداً من أوائل القلائل الذين امتلكوا سيارة خاصة في تلك المنطقة، وتحديداً مع بدايات السبعينات؛ تلك السيارة «المورس» العريقة الزرقاء اللون.

كم كانت تبدو ايامه مميزة ومثيرة للدهشة والإجلال وهو خلف مقودها، يمر ببطء وهدوء على أقرانه ومن هم في سنه، ممن كانوا يقطعون الطرقات راجلين فيقف لهم لتوصيلة خاطفة أو ممن كان يقود بمحاذاتهم وهم على ظهور البهائم والدواب.

 لكن المكانة الحقيقية لعمي الفرجاني لم تكن صنيعة السيارة وحدها، بل كانت مستمدة من عقر داره المهني؛ فقد كان يعمل في المحكمة. وفي ذلك الزمن، حيث كانت هيبة القضاء تملأ القلوب رهبة واحتراماً، كان الفرجاني يحظى بتقدير ومحبة جارفة من أهم شريحة في المجتمع: القضاة وكافة العاملين في السلك القضائي. كان صديقهم الصدوق والمحبوب الذي يهابونه لهيبته ويحبونه لطيبته ووفائه.

وحين نتأمل تلك العلاقة بينه وبين والدي، تتكشف لنا طبقات عميقة من النبل الإنساني. والدي، الذي يكبره سناً والذي عُرف عنه الوقار والاحترام المتبادل، كان يتعامل مع الفرجاني وكأنه الحكيم الخبير أو الأكبر سناً، لإجلال حقيقي لرجولته وذكائه الفطري، وكأن بينهما ميثاقاً غير مكتوب من الصداقة والوفاء، حتى غدا أبي يحبه ويجله بدرجة لم أرَ لها مثيلاً، وكأن الفرجاني جده، رغم أنه صديقه الصدوق وأصغر منه سناً!

أما عني، فعلاقتي به كانت مزيجاً غريباً؛ شقاوة طفولة ومراهقة تلاحقه بلا توقف، وتقبّل واسع وساخر منه لكل تفاصيلها، قبل أن يحكيها لوالدي فيقيما معاً طقوساً من الضحك العفوي والتقدير المتبادل.

 ولم ولن أنسى ذلك الخبر الذي وقع على القلوب كالصاعقة؛ خبر رحيله عن دنيانا الفانية. لم يكن رحيلاً عادياً، فقد اختار القدر أن يكون ختام سيرة هذا الرجل الاستثنائي لائقاً بحجم هيبته ونقائه. رحل عمي الفرجاني المكي وهو يؤدي مناسك الحج، ليبقى هناك، ويوارى جثمانه الطاهر في مكة المكرمة، وكأن الأرض التي حملت اسمه في كنيته قد استردت روحه إلى جوارها.

غفر الله لعمي الفرجاني المكي وتقبله بواسع رحمته، وأطال في عمر ولديه نوري وعلي، ليظل إرث ذلك الرجل العظيم حياً في قلوبنا إلى الأبد.

صحيفة المنظار الليبية
صحيفة المنظار الليبية
تعليقات